جذور السلفية الغربية في مأساة العالم الحديث

22 سبتمبر 2020
الصورة

(محمد العامري)

يرتدّ العالم اليوم نحو حالة تعصّب عنصري يميني متطرّف، على الرغم من وجود الدولة المدنية الحديثة، بسبب جذر الخلل المؤثر، في عمق الحداثة المادية، وغياب الأخلاق الروحية، ومراقبة الضمير (اللاهوتي)، وبالتالي الصعود المستمر لآلة التوحش الرأسمالي، بل وتطوّرها، وهو مشهود اليوم في مناطق العالم. فهذا اليمين الصاعد يُعتبر، في حوارات التقييم الفلسفي، نوعاً من العودة إلى سلفيات هذه الأمم، بما فيها من جذور دينية وعرقية متشدّدة، قامت عبرها حروب دينية في أوروبا، لعبت دوراً كبيراً في هجرات الغرب إلى ما يُسمّى العالم الجديد، في قارّة أميركا الشمالية، وهو هروبٌ كرّس، عبر الهجرة، دولاً غربية حديثة، لكنه أيضاً نفّذ جرائم إبادة توحش للسكان الأصليين، في هذا العالم الجديد.
ونلاحظ هنا أن الروح ذاتها التي ارتُكبت عبرها مذابح منذ مأساة الأميركيين الأفارقة إلى الحملات المختلفة أخيراً على الملونين، أو أصحاب الديانات الأخرى، وخصوصاً المسلمين، لا تزال تعود دوراتها بشدة، وتهدّد السلام في العالم وفي دولها، وتنقض أسس التعايش الأولية، وهي في حالة صعودٍ شعبي، فهل هذا يلغي مسؤولية أي حالات تطرّف أو عنف في العالم الإسلامي؟ كلا. ولكننا اليوم نطرح جذور سلفياتٍ أخرى، تهدّد السلام والأمن والسكينة، لسكان هذه الدولة وتلك، سواء كانت غربية، أو آسيوية كالهند أو بورما. ومع ذلك، لا يوجد عزل فكري استراتيجي لها، ولا خطط مواجهة لصعودها، ومكفولٌ لبنيتها الشعبية كامل الشراكة الوطنية الاجتماعية. ونحن نقصد بالمواجهة مؤسسات التطرّف العنيف ضد المسلمين وغيرهم، لا حمل هذه السلفيات على قناعاتٍ شخصيةٍ مخالفة لمذاهبهم.

اليوم نطرح جذور سلفياتٍ أخرى، تهدّد السلام والأمن والسكينة، سواء كانت غربية، أو آسيوية، كالهند، أو بورما

نعم هناك أسس ومواد قانونية تسائل الخطاب العنصري، وقد توقفه قانونياً، لكنها لم توقف نزعات التطرّف العنصري، ولم توقف حوادث القتل، ولا ثقافة الانقسام الاجتماعي التي تشتعل في الغرب، وأكبر مؤثراتها، السلفية الاجتماعية اليمينية للغرب ذاته، عبر العرق والدين. وهناك ثقافة تعايش وتآلف إنساني موجودة بالفعل في أجيال من الغرب، غير أن هناك تراجعاً في حضور هذه الثقافة، لمصلحة التطرّف اليميني العنصري، حيث يُمثل الجهل بثقافة الآخر غير الغربي دوراً كبيراً في انتشار التطرّف. ولكنّ هناك سبباً آخر لتعمّق الانقسام، وهو شعور أجيال الأمم الغربية بخسارة حياتها الاقتصادية، بسبب هذه الهجرات الموسمية المستمرة التي يذهب بعض ضحاياها في رحلة العبور للعالم الحديث، سواء في أوروبا أو أميركا الشمالية، ليكونوا وجبة للبحر أو الصحراء، أو الصراع قبل وصولهم إلى أرض الأحلام التي قد تمنحهم شيئاً من المعيشة والأمن، وقد يجدون فيها مهدّدات أخرى، فمن هو المسؤول عن هذا الانقسام العالمي، وعمليات البحث الجنوبي المستمرة، لفرص العيش والأمن، ولماذا يستمر عالم الجنوب بالبحث عن مخرج؟ القضية هنا ليست في تبرئة أي أمةٍ أو شعبٍ من مسؤوليتها في رسم خريطة النهضة، وبالتالي صناعة دولة عدالة اجتماعية، ولكن حديثنا هنا في التوصيف العادل لمسؤولية الأمم الغربية، في التدخلات المباشرة المعيقة لنهضة هذه الأمم، من خلال دعم استبداد حكوماتها، أو فرض خطط اقتصادية تلزمها بخدمة المصالح الرأسمالية الغربية.

هنالك أسس ومواد قانونية تسائل الخطاب العنصري، وقد توقفه قانونياً، لكنها لم توقف نزعات التطرّف العنصري، ولم توقف حوادث القتل

وحين تهبّ رياح الهجرة إلى الشمال، لسقوط واقع هذه الدول، لا تقدم الأمم الغربية ما يساعد على انتشالها وتنميتها، بل جرعاً محدودة تُبقيها حيّة. ولكن لا سبيل لها للحياة إلا عبر الأنبوب الغربي، وما تمارسه محاور الصراع الأخرى، كالصين وروسيا، يتلبس بالدور نفسه، ربما كان الفرق في أن بكين شرقية، غير أن تعاملها مع الأيغور في تركستان لا يقل سوءاً عن نماذج الغرب، ثم تقمصها المذهب الرأسمالي الغربي بكل عيوبه.
أمام هذه الحقيقة، ألسنا نواجه اليوم آثار سلفيتين في الغرب، الأولى هي جذر التقسيم، بين عالم الجنوب والشمال التي ثبت أنها لم تتغير في عالم الغرب ما بعد الحداثة المادية، على الرغم من خطاب الحقوق والأنسنة الذي له بالفعل أنصار ومؤسسات وثقافات، لكنه لم يوقف آلية الفصل العنصري، ولعبة الرأسمالية الغربية عميقة فيه، من حيث فُرص العمل لقوميتها، أو من خلال استثمارها غير الأخلاقي في عالم الجنوب. ثم انتهى الأمر إلى وضع أولئك الأمم، والشعوب المهاجرة بحثاً عن الحياة، تحت نير السلفية الأخرى التي تستدعي جهراً تفوق عرقها وعقيدتها، وتنادي بطرد الغرباء عبر قتل بعضهم وترويعهم، فهل حظيت هذه الظاهرة بحوار عالمي في مستوى الأزمة؟

حين تهبّ رياح الهجرة إلى الشمال، لسقوط واقع هذه الدول، لا تقدّم الأمم الغربية ما يساعد على انتشالها وتنميتها، بل جرعات محدودة تُبقيها حيّة

لا يعتمد حجم الضخ الإعلامي في توصيف خطاب التطرف الديني والقومي على حقائق أو أرقام، فما يجري هو وضع بؤر تركيز إعلامية، موظفة عالمياً، ومركزها السياسي وغرفة عملياتها يهيمن عليه توحش رأسمالي، وتطرّف عنصري وديني، بعضه مختفٍ وراء فكرة الإلحاد أو العلمانية المطلقة. هذا التحالف يُطبِق بالفعل على عالم اليوم، ويُضيّق فرص المدافعة الفكرية، ثم السياسية، لبحث سؤال التطرّف والعنصرية في العالم، ومن أين نبدأ الحل كأسرة إنسانية. وهو ليس مسألة جهل في قلب المشروع العالمي، بل لحماية جشعه المتطرّف، ورفض عقيدة الشراكة الإنسانية، هذا الظلم وهذا التحفيز والحصار الدولي ضد روح الإنسان واجه حملات للدفاع عن حقوقها، كان أبرزها الفكرة اليسارية في العالم، غير أن المرجع الأكبر لهذه الفكرة كان أيضاً مشروعاً مصلحياً متوحشاً، لمصلحة قوميته منذ زمن رايات موسكو الحمراء، وبوتين ابن المخابرات في الإتحاد السوفييتي هو اليوم الرئيس القومي الروسي المتشدّد.
ولذلك خسر العالم معركة التحرّر الفكري اليساري، لحجم توظيف المركز السوفييتي، ولوجود أزمة فلسفية أساسية، في نظرية الصراع مع الروح وخالقها، في الضمير وفي إرث الشعوب. وكانت هناك محاولات تصحيحية لفكرة اليسار، ممكن أن تحقق مساراً حوارياً تشاركياً بين عالمي الجنوب والشمال، لكن الحداثة المادّية قطعت الطريق، حين حوّلت المعركة لمصلحة الجندر المتطرّف وفرض المثلية، ففشل اليسار من جديد.