جبهة طنجة في الحرب الأهلية الإسبانية

جبهة طنجة في الحرب الأهلية الإسبانية

14 أكتوبر 2021
الصورة
+ الخط -

كانت بادرةً حسنةً من معهد ثِيربانتِس في طنجة استضافة الأكاديمي والباحث الإسباني، بِرنابي لوبيث غارثِيـا، يوم الجمعة الماضي، بمناسبة صدور كتابه ''جبهة طنجة (1936 - 1940)... يوميات الحرب الأهلية الإسبانية في منطقة طنجة الدولية''. ولا مبالغة في القول إن هذا الكتاب إضافةٌ نوعيةٌ في التاريخ الاجتماعي لهذه الحرب التي خلفت شرخا مجتمعيا عميقا في إسبانيا. وتكمن أهميته، تحديدا، في نجاح مؤلّفه في الجمع بين الاستقصاء والتوثيق والتحليل، في مسعى إلى كشف جوانبَ منسيةٍ من تاريخ هذه الحرب التي كان للجوار الجغرافي والاستعمارين، الفرنسي والإسباني، للمغرب أثرهما في أن تصل ارتداداتها إلى طنجة، هذا من دون أن يغفل وضع ذلك على ضوء السياق الدولي الدقيق آنذاك، والذي اتسم بصعود اليمين الفاشي في ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا، وتأثيره على منعرجات الحرب التي انتهت بانتصار اليمين الفرنكوي وسقوط الجمهورية الثانية (1939).

يكشف الكتاب، الذي صدر في مدريد (2021) في 503 صفحات، حقائق مهمة بشأن الصراع الذي كانت طنجة مسرحا له، في النصف الثاني من ثلاثينيات القرن المنصرم، بين سرديتيْ اليسار الجمهوري واليمين الفرنكوي. ففي الوقت الذي أفرز النظام الدولي الذي خضعت له طنجة (1923 - 1956) مجتمعا مُصغّرا قام على التعايش بين مختلف الجنسيات واللغات والمعتقدات، شكّلت الحرب الأهلية الإسبانية مقطعا أربك هذا التعايش، إذ لم يتوان الجمهوريون والفرنكويون، على حد سواء، في استثمار ما كانت تمنحه المدينة من موارد سياسية وثقافية لترويج خطابيْهما المتعارضيْن، وهو ما ساعد على تغذية التوتر في المدينة، خصوصا بعد أن تقاطع ذلك مع مقطع آخر لا يقل دراماتيكية، والذي جسّده الاحتقان بين المسلمين واليهود على خلفية ارتدادات الثورة الفلسطينية الكبرى (1936).

تطرّق الكتاب، أيضا، إلى علاقة سلطة الحماية الإسبانية في شمال المغرب (كان مقرّها في تطوان)، والتي كانت بيد اليمين الفرنكوي، بقناصل الدول الغربية الممثلة في لجنة الإدارة المشتركة. ومن ذلك مناكفةُ البعثتين القنصليتين، الإيطالية والبرتغالية، في طنجة، القنصلَ الإسباني، الجمهوري خوسي برييطو ديل ريو، الذي وَجد مؤلفُ الكتاب في مرافعاته السياسية ضد المندوب الإسباني، اليميني، مانويل أَمْييبــا، خلال أعمال لجنة الإدارة المشتركة، بعضَ خيوط المواجهة التي عاشتها المدينة بين المعسكرين المحتربيْن، إلى درجة تحوّلت طنجة معها إلى ''إسبانيا مصغّرة تعكس الصراعَ الدراماتيكيَّ الذي عاشه الإسبان ما بين 1936 و1939''. ولم يقتصر هذا الصراعُ على النخبة الدبلوماسية والسياسية الإسبانية، بل امتد إلى فئات وشرائح مختلفة من المجتمع الإسباني كانت تقيم في المدينة. وعلى الرغم من أن الجمهوريين كانوا أكثر عددا، إلا أن الفرنكويين كانوا أكثر تأثيرا، بسبب نفوذهم داخل ''المحكمة المختلطة''، وعجزِ لجنة الإدارة المشتركة عن مواجهة ضغوط سلطة الحماية الإسبانية. وفي هذا الصدد، لم يفت الكاتب أن يعرّج على بعض أحداث العنف الأهلي بين الإسبان، والتي وثقتها الصحفُ الغربيةُ التي كانت تصدر في طنجة آنذاك، ونزوحِ الجمهوريين إلى المدينة، بعد أن بدأت المدن التي كانوا يسيطرون عليها، في السقوط بيد جيش فرانكو.

نجح الكاتب، إلى حد كبير، في تحقيق التوازن بشأن الوثائق التي حصل عليها، إذ جاءت متنوّعة في مصادرها، حيث استقى بعضها من محاضر جلسات لجنة الإدارة المشتركة وأرشيفيْ المستشفى الإسباني والغرفة الإسبانية للتجارة في طنجة، وبعضها الآخر من الأرشيف الدبلوماسي، خصوصا وثائق القنصلية الإسبانية، ناهيك عمّا وفره أرشيف الصحافة المحلية (الدولية) الصادرة في طنجة، سواء تعلق الأمر بالصحف الإسبانية ذات الميول اليسارية واليمينية، أو الفرنسية والبريطانية. وقد منحت هذه الوفرة الكاتبَ هامشا أوسعَ لقراءة الوقائع وإعادة تركيبها بقدر معقول من الحيادية.

ختاما، جاء الكتاب زاخرا بمعلوماتٍ وفيرةٍ عن إحدى الصفحات المنسية في التاريخ الاجتماعي للحرب الأهلية الإسبانية، وأيضا في تاريخ طنجة الدولية، ما يمنحه ميزة معرفية مزدوجة.