جبران باسيل آخر ضحايا ترامب

09 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

فعلتها الخزانة الأميركية، أو بالأحرى فعلها دونالد ترامب! وزير خارجية لبنان السابق ورئيس التيار الوطني الحر ورئيس أكبر كتلة برلمانية، جبران باسيل، وقع في شباك العقوبات الأميركية. قرار مفاجئ؟ ليس بالضبط، فقد وصلت إليه أكثر من رسالة تحذير أميركية في الأشهر الماضية، وخصوصا عندما كان وزيرا للخارجية، بضرورة الابتعاد عن حزب الله، حليفه الأول منذ نحو خمس عشرة سنة، والذي تصنفه واشنطن تنظيما إرهابيا، وتفرض عليه حصارا اقتصاديا وماليا خانقا، وتلاحقه في كل الساحات. قرار موجع سياسيا ومعنويا وماديا، من شأنه أن يقضي على مستقبل باسيل السياسي، ويصيب بالمباشر رئيس الجمهورية ميشال عون، وما تبقى من عهده الرئاسي، كما أنه يعيد خلط أوراق اللعبة السياسية الداخلية اللبنانية. ويهدف، بشكل خاص، إلى حرمان حزب الله من حليف مسيحي أساسي، بنى كل استراتيجيته بغرض التغلغل والتمدد داخل السلطة والإمساك بناصية القرار على العلاقة المتينة معه. أما لماذا هذا القرار الآن، وفي هذا التوقيت بالذات، أسابيع قبل مغادرة ترامب البيت الأبيض؟ أولا، لأن الرئيس الأميركي (المغادر) صاحب مزاج خاص يصعب التكهن بسلوكه وقرارته. وثانيا، لأنه ربما أراد أن يثبت للعالم أنه سيستمر في ممارسة صلاحياته وتنفيذ سياسته حتى آخر ساعة له في البيت الأبيض. وثالثا، وهذا الأكثر ترجيحا، يريد أن يقطع الطريق على أي محاولة من خلفه بالتراجع عن خيار استمرار الضغط على إيران، ومحاصرة أذرعها والمتعاملين معها في المنطقة. ورابعا، يريد أن يفرض أمرا واقعا يعزّزه مبدأ أن الحكم هو استمرارية، أي أن الرئيس يتغير والعقوبات تبقى. يضاف إليه أن ليس هناك من خلاف جدّي بين الديمقراطيين والجمهوريين حول تصنيف حزب الله إرهابيا، وحول طريقة التعاطي معه، إذ أقرّت أولى العقوبات التي وضعت على إيران، في عهد الرئيس الديمقراطي باراك أوباما، كما أن العقوبات التي فرضت أمس على باسيل، رئيس التيار العوني، تستند إلى "قانون ماغنيتسكي" لمحاربة الفساد (يفرض حظرا على حسابات باسيل وأمواله في الخارج، ويمنع على المصارف اللبنانية التعامل معه) الذي أقرّه الكونغرس الأميركي عام 2012 في عهد أوباما. علما أن تهم الفساد باختلاس المال العام، واستغلال السلطة للمنفعة الخاصة ولعقد الصفقات تنطبق على كل أركان السلطة بدون استثناء.

لا يوجد خلاف جدّي بين الديمقراطيين والجمهوريين حول تصنيف حزب الله إرهابيا، وحول طريقة التعاطي معه

جبران باسيل هو صهر رئيس الجمهورية، واليوم يترأس التيار الذي أسسه عون منذ نحو ثلاثين سنة، والذي كان يعتبر حزب الله خارجا على شرعية الدولة، وهو تابع لإيران، وأداة بيد النظام السوري، وكان يطالب بتسليم سلاحه، تراجع عن هذه المواقف بعد عودة الجنرال إلى لبنان على إثر اغتيال رئيس الوزراء الأسبق، رفيق الحريري، عام 2005، وعقد صفقة مع النظام السوري وحزب الله اللذين استعانا به، لمواجهة تحالف قوى 14 آذار التي أجبرت بشار الأسد على سحب جيشه من لبنان مقابل وعد بالرئاسة. وفي 6 فبراير/ شباط 2006، التقى عون أمين عام حزب الله حسن نصرالله في إحدى كنائس الضاحية الجنوبية من بيروت، ووقّعا على "ورقة تفاهم" دشّنت شهر عسل بين الطرفين، ودفعت عون إلى تأمين غطاء مسيحي لحزب الله خلال حرب تموز 2006، ثم ترسيخ تحالف بينهما مستمر منذ نحو 15 سنة، تعزّز بدخول باسيل وتياره جنة السلطة، ما مكّن حزب الله من فرض عون رئيسا للجمهورية في نهاية عام 2016، بعد فراغ في سدة الرئاسة دام سنتين ونصف السنة. وتحوّلت التسوية - الصفقة التي حققت حلم عون بالرئاسة، وعودة سعد الحريري إلى رئاسة الحكومة، إلى تحالف سلطوي، عنوانه تغطية عون سلاح حزب الله مقابل سكوت الأخير عن فساد حليفه، وكل أطراف السلطة الآخرين، وغرق الجميع في الفساد وانهيار الاقتصاد والنظام المالي والمصرفي، ما أدى إلى انفجار "ثورة أكتوبر" 2019 التي أطاحت حكومة الحريري، مهدّدة بسقوط كل الطبقة السياسية، فانبرى نصرالله مدافعا شرسا عن النظام، ومتهما الثوار بالعمالة!

التيار الذي أسسه عون منذ نحو ثلاثين سنة كان يعد حزب الله خارجا على شرعية الدولة، وتابعاً لإيران، وأداة بيد النظام السوري

وبغض النظر عن ردة فعل العونيين الذين حاولوا التظاهر أمام السفارة الأميركية في بيروت، وتصريحات بعض قيادييهم التي توحي وكأنهم يعيشون في عالم آخر، مهللين لمقاومة باسيل الذي جعل من نفسه ضحية، ورفع نفسه إلى مستوى المسيح، فإن باسيل الذي ورث الزعامة، بفعل مصاهرته عون، هو السياسي الوحيد الذي غامر بتحالفه مع حزب الله، ظنّا منه أن هذا الخيار المصلحي سيوصله إلى تحقيق حلمه بالرئاسة، وبوقت أسرع مما حصل مع عون. وهذا الصعود السريع لسلم السلطة دفعه إلى الاعتقاد، من موقعه في وزارة الخارجية على رأس الدبلوماسية اللبنانية طوال عهد ترامب تقريبا، أن الكباش الأميركي - الإيراني سيؤدي حتما إلى اتفاق قريب بين الطرفين، يقطف ثماره هو لبنانيا، بوصفه حليف حزب الله وإيران. ولكن ما حصل هو أسوأ من ذلك، إذ يوحي قرار الخزانة الأميركية ضد باسيل بأن ضغط ترامب على طهران، وعلى حزب الله، سيستمر حتى آخر يوم قبل مغادرته البيت الأبيض. وفي المقابل، فإن الغطرسة الأميركية في معاقبة صهر رئيس الجمهورية ورئيس أكبر وأهم تيار سياسي مسيحي يشكل ضربة مباشرة لحزب الله الذي صاغ هذا التحالف، وصانه برموش العين، ودفعه إلى تدليل باسيل، وتحمل عنترياته ونزقه وابتزازه، من أجل الولوج إلى قلب معادلة السلطة اللبنانية، القائمة على تركيبة معقدة من التوازنات والحساسيات الطائفية والمذهبية التي بات هو اليوم جزءا أساسيا منها، بفعل الغطاء العوني المسيحي. لذلك، باسيل محاصر بالعقوبات يصبح غير ذي فعالية، أو خفيف الوزن والتأثير. كما أن حاله هذا سيؤدي إلى إضعاف عهد عون الذي يصبح بلا سند في السنتين المتبقيتين من ولايته، ومكشوفا أمام الشارع المسيحي الذي سيستفيق ليجد أن صورته ألصقت بصورة تنظيم يعزله عن العالم الغربي الذي طالما لعب دور الوسيط بينه وبين العالم العربي. وعليه، يصبح عون غير قادر على تغطية مواقف حزب الله وسياساته، كما فعل منذ بداية عهده عربيا ودوليا. واستهداف باسيل بالعقوبات يؤدي إلى خلخلة البنيان الذي عمل نصرالله على تشييده بعناية طيلة السنوات الماضية، ما جعله الآمر الناهي في الغرف المغلقة ومن ثم المفتوحة أيضا.

ظن باسيل أن الكباش الأميركي - الإيراني سيؤدي حتما إلى اتفاق قريب بين الطرفين، يقطف ثماره هو لبنانيا، بوصفه حليف حزب الله وإيران

قبل سنة، وقبل أربعة أيام من اندلاع "ثورة أكتوبر"، وقف باسيل خطيبا على طريق القصر الجمهوري، مهدّدا متوعدا: "سنجرفكم في لحظة لا تتوقعونها". غير أن سقوط باسيل سيؤدّي، على الأرجح، إلى انفراط عقد "البازل" الذي تمت حياكته بين أطراف تسوية 2016، كونه كان لاعبا أساسيا فيها، وأول المضاعفات انعكاسات ذلك على مهمة الحريري الذي يحاول، منذ أكثر من أسبوعين، تشكيل حكومة جديدة، إذ أصبح هو هكذا بين نارين: ارتفاع حجم الضغوط الاميركية ووتيرتها، وتصلب الأمين العام لحزب الله، حسن نصرالله، دعما لمطالب حليفه العوني، وإعطائه جرعة معنويات، طالما أن نتائج الانتخابات الأميركية لم تحسم بعد. ففي سبتمبر/ أيلول الماضي، أجهضت واشنطن محاولة المكلف مصطفى أديب تشكيل حكومة عبر فرضها عقوبات على وزيرين سابقين بتهمة الفساد، ينتميان إلى كتلتي نبيه برّي وسليمان فرنجية حليفي نصرالله. ولكن يبقى السؤال المفصلي: هل ستسمح واشنطن، تحت حكم بايدن بحكومة يشارك فيها حزب الله؟