جاذبية طالبان قد تكون مفيدة

جاذبية طالبان قد تكون مفيدة

19 اغسطس 2021
الصورة
+ الخط -

مَن فرح لانتصار حركة طالبان على أميركا بعد عقدين من الحرب المدمّرة لا يتفق، بالضرورة، مع فكرها وسياستها. ومَن حزن تعاطفا مع حقوق المرأة والأقليات والحريات الفردية ليس عميلا للإمبريالية الأميركية وحروبها. الواضح إن المشاعر الليبرالية، الصادقة أو الكاذبة، احتلت مساحةً ضيقةً من اهتمام الإعلام الذي انشغل بالهزيمة التاريخية للإمبريالية على يد الأفغان البسطاء.

اكتسبت "طالبان"، على الرغم من فكرها المتشدّد جاذبية تتجاوز العرب والمسلمين، عندما هزمت الإمبريالية الأميركية في أطول حروب أميركا، وعلى الرغم من عزلها سياسيا وتصنيفها حركة إرهابية، تماما كما حصل مع الشيوعية بعد هزيمة أميركا في فيتنام. وهو ما يذكّر بانتصار الثورة الإسلامية في إيران، يومها حظيت بتعاطف عالمي، وعربيا وقف معها اليسار والقوميون والإسلاميون، على الرغم من الحواجز القومية والفكرية والطائفية. وهذه خدمة عظيمة للإسلام، عندما قدّمته للعالم قوة لا تقهر في مواجهة الطغيان الإمبريالي، وحركة تحرّر ومقاومة صمدت عقدين.

ليس المطلوب هجاء القوة الصاعدة ولا التغزّل بها، المطلوب فهمها وترشيدها. وعربيا نحن متأثرون ومؤثرون في أفغانستان، فتاريخهم جزء من فضائنا التاريخي والثقافي، وهم ينظرون إلى العرب فاتحين ومحرّرين ومعلمين، مساهمتهم منذ القرون الأولى إلى جمال الدين الأفغاني حاضرة. وكان للعرب دور في مساندة الأفغان في التحرّر من الاحتلال السوفييتي، والعرب هم من جلبوا الاحتلال الأميركي، عندما استخدموا أراضي إمارة طالبان في تنفيذ تفجيرات 11 سبتمبر. والاتفاق السياسي الذي أفضى أخيرا إلى انتقال السلطة وقع في الدوحة. في المقابل، ظلت الإمارات الداعم والمموّل لحكومة أشرف غني.

علينا أن نتعلم من درس التاريخ المرير، فالتشدّد الإسلامي في أفغانستان هو حفيد التشدّد الشيوعي الذي انقلب على النظام الملكي الدستوري الذي كان يحترم قيم الإسلام ويتوافق مع الديمقراطية. الانقلابيون، ومنهم ابن عم الملك ظاهر شاه، اندفعوا بنياتٍ صادقة لتحديث المجتمع الأفغاني، وفق فكرهم الماركسي، لكن الفلاحين الذين انقلبوا من أجلهم هم من خاضوا حربا ملحمية في مواجهة الاتحاد السوفييتي وهزموه. ثم هم ذاتهم الذين هزموا أميركا، بحسب المؤرخ الباكستاني افتخار ملك "بعد انتصار طالبان المستند إلى القوة الفلاحية، علينا، مؤرخين وعلماء اجتماع، التركيز عليها قوة تحوّل تاريخية". على من ينكرون ممارسات طالبان، والتي تغيّرت كثيرا، بالمناسبة، تجاه المرأة، أن يتذكّروا إنها نفسها ممارسة المجتمع الأفغاني، فالطائرة التي أقلّت الهاربين من حكم "طالبان" كانت النسوة فيها محجّبات. وللتذكير، زوجة أحمد شاه مسعود، عدو "طالبان" الأول، كانت منقبة، وكذلك زوجة برهان الدين رباني، أما زوجة الرئيس المخلوع أشرف غني فكانت، وهي مسيحية لبنانية، تضع غطاء رأس مجاملة للثقافة الأفغانية.

"طالبان" اليوم ليست "طالبان" الأمس. لديها شبكة علاقات محلية ودولية (أميركا روسيا الصين إيران قطر ..). وأكثر واقعية من قبل، لكنها تفتقر إلى القيادة الجامعة التي كان يجسّدها الملا عمر، كما تفتقر إلى منهج واضح فكريا وسياسيا ومؤسسات تنظيمية. سيصطدم الفكر بمنطق الدولة وعلاقاتها دوليا وإقليميًا ومحليا. واليوم هي في اختبار إن كانت ستعتدل أم تبقى على ما هي عليه. وواضح أنها تتجه إلى الاعتدال، مؤشّرات كثيرة تدل على ذلك، عندما يجتمع مكتبها السياسي مع كرزاي الذي حكم على أشلائها وعبدالله عبدالله الذي قاد مع الأميركان الحملة عليها فهذا تطوّر كبير في سلوك "طالبان" المتوقع أن تشنقهما على مدفع دبابة. لم تمنع امرأة من الذهاب إلى التعليم أو العمل. على العكس، حرصوا على أن يجتمع كبار علماء الحركة مع الموظفات، لحثّهن على مزيد من العمل. باكستان تظل الأكثر نفوذا داخل "طالبان"، عرقيا (البشتون) وعسكريا وأمنيًا وفكريا، فالمدرسة الفكرية التي تنتمي إليها "طالبان" باكستانية. ولذلك تستطيع إسلام أباد أن تسهم في ترشيد الحركة ودفعها نحو الاعتدال، وهذا يتطلب دعما من كل حريص على الشعب الأفغاني.

ما يفيد المرأة الأفغانية، والأفغان عموما، مساعدة "طالبان" في بناء الدولة الغائبة عن أفغانستان منذ الانقلاب الشيوعي. وفي ظل الدولة وسيادة القانون يتطوّر وضع المرأة بالتعليم والإعلام وغير ذلك. بحسب رواية الملا عمر التي يوثقها الزميل أحمد زيدان في كتابه "صيف أفغانستان الطويل" عن نشأة الحركة، هي لم تقم من أجل تحجيب النساء المنقبات أصلا في قندهار. يقول عن سبب تأسيس الحركة: "استولى الفسقة على المنطقة كلها، يسلبون أموال الناس ويتعرّضون لأعراضهم على الطرقات العامة، يقتلون الإنسان ويلقونه في قارعة الطريق، ولا يجرؤ أحد على دفنه"... هذا ما حقق الجاذبية لطالبان أمس واليوم، حفظ حياة الناس التي كانت مهدّدة بالقتل المجاني، والنساء والأطفال كانوا عرضةً للاختطاف والاغتصاب المنهجي.

قد تنجح "طالبان" إذا تطوّرت، وربما ستقيم نظاما يعامل المرأة مثل النظام الإيراني أو السعودي، وكلاهما يحظيان باعتراف دولي.