جائحة الإنكار
(بابلو بيكاسو)
قد يبدو لك التاريخ، من زاويةٍ مَا، حصادَ سلسلةٍ من الأخطاء الكارثيّة، عولجت بأخطاء أكثر كارثيّة منها. مثل تلغيمِ القرنِ العشرين بالكيانِ الصهيونيّ في الشرق الأوسط، وما انجرّ عنه من تعفُّنٍ في الجسد الكونيّ، لم يجد القرن الموالي علاجًا له غير حرب الإبادة. وَضْعٌ يُسألُ عنه قباطنةُ السفينة العالميّة وركّابُها أيضًا. وسواءٌ انتسبوا إلى الدُّوَل العظمى أم إلى دُوَلِ الموز، فإنّهم يتقاسمون السمات نفسها: جنون العظمة، وموت الضمير، والارتقاء بالأخطاء إلى مرتبة الخطايا، من دون أن يعترف أحدٌ بخطأ.
إنكارُ الخطأ فيروسٌ ماكر، تصادفه بشكل خاصّ لدى محترف السياسة، وبشكل أخصّ لدى السياسواتيّ، ذاك الكائن الذي يعمل لمنفعته الشخصيّة المطلقة، متلاعباً بالقوانين والتشريعات بانتهازيّةٍ متوحّشة، في حِلٍّ من أيّ قيمةٍ أو مبدأ أو رؤية استراتيجيّة أو مصلحة عامّة. وهبْ أنّ الخطأ أوضح من أن ينكره عاقل، فإنّ السياسواتيّ المحنّك قادرٌ على تخطئة العقل، مدّعيًا أنّ الحقيقة نفسها كانت في أزمة! وليس مستبعداً أنّ يزعم أنّها كانت خاطئة، وأن يعلّق أخطاءه على شمّاعة الظروف القاهرة، أو إخوة يوسف، أو مؤامرات الداخل والخارج! وأفضلُ كبشِ فداء لدى هذا النوع من الفَعَلة الشعبُ نفسُه. لذلك لا يتورّع السياسواتيّون عن محاسبة الشعب على خياراته السيئة، متغاضين عن كونهم ما كانوا يجلسون على كراسيّهم لو أحسن الشعبُ الاختيار! من ثمّ يسعون إلى منع الشعب من أن يصبح شعباً. ذاك هدفُ الشعبويّة.
والحقّ أنّ الشعب أيضاً غيرُ بعيدٍ عن ثقافة الإنكار. إنّه يسيء اختيار قادَتِهِ باستمرار، ويستدعي الطغاة. رياضتُه الأولى انتظارُ الأب الحامي أو الأمّ المرضع، ثمّ إلقاء اللائمة عند الخيبة على الآخرين (الساسة أو النخبة) منزّهًا نفسه على الدوام. والعلّة في ذلك أنّه يحتكم إلى الغرائز وليس إلى العقل، ويغلّب الكثرة على الجدارة، وتأخذُه العِزّةُ بالعدد. ولعلّ ذاك ما عناه إميل سيوران (1911-1995) حين قال في أحد الحوارات: "لم يتكوّن لدينا شعبٌ، لأنّنا فشلنا في تكوين إنسان يفكّر، بل كوّنّا حشدًا... يصفّق أحيانًا ويلعن في أحيان أخرى، لكنّه لا يفكّر".
وإنّك لتنظر إلى هذا الذي يحدُث بتعلّات الدفاع عن سلام القوّة، من توحّش إمبرياليّ متجدّد، وتعامي معظم النظام الرسميّ الغربيّ، والعربيّ، عن جرائم الاحتلال والعنصريّة والإبادة، والتظاهرِ بتصديق سرديّةٍ متهافتةٍ تُعدِّدُ الموازين والمكاييل، والتباطؤ في التصدّي للفظاعة اللاإنسانيّة، والتلكّؤ في عقد حتى مجرّد قمّة، فترى الخروج من النفق مرهونًا بارتقاء الحشود إلى مرتبة الشعوب حقًّا. ولعلّك ترجّح أنّ كلَّ هذا ما كان ليحدث، لو لم تشارك الشعوب في تفشّي جائحة الإنكار. وهو ما أنشأ أرضيّةً من الكذب الإنكاري الذي عرفته البشريّة كلّما ارتكبت فظاعاتها، سواءٌ وقفت وراءها إسبارطة أم روما القديمة، النازيّة أم الأمبرياليّة، الفاشية أم الصهيونيّة. وكأنّه تواطؤ مع القتلةِ المعربدين وشركائهم، وتفانٍ في منحهم المزيد من فرص التوحّش والقتل، ثمّ الإنكار، إنكار الجريمة، وإنكار العلمِ بفظاعاتها، وإنكار المشاركة فيها عن طريق المال والسلاح، أو عن طريق الصمت والوقت والخداع.
الإنكار في مثل هذا الوضع كذبٌ يَنْحطُّ إلى مرتبة العار. لذلك تُسرع صناديق التفكير إلى تطويبه في هيئة "الذكاء السياسيّ"! أو "العقلانيّة"! أو "الواجب"! وليس هذا بجديد. من ذلك، الجدلُ التاريخيُّ بين إيمانويل كانط (1724-1804) وبنجامين كونستان (1767-1830)، حين دافع الأوّلُ عن ضرورة قول الحقيقة، فردّ الثاني: بل يجب أن تكذب إذا كان في كذبك منفعة. ماذا لو أن أحد أصدقائك لجأ إليك، ولو أنّ قاتلاً طرق بابك، وسألك إن كان ذاك الصديق موجوداً لديك؟ بماذا تجيب؟ اصطفّ شارل بيغي (1873-1914) مع بنيامين كونستان في اعتراضه على كانط، مدّعياً أنّ الكانطيّة ذات أيدٍ نظيفة لأنّها بلا أيدٍ، من دون أن يفصح يوماً عن السبب في ذلك إن صحّ: مَن أخفى تلك الأيدي؟ مَن بَتَرَهُما؟ ذاك هو السؤال المطويّ في النسيان، المخفيّ في طبقات الإنكار الجوفيّة. ولعلّك تستطيع أن تؤكّد اليوم، أمام ما يحدُث من معرّة إنسانيّة شاملة في غزّة، أنّ الحقيقة هي الأساس، لأنّ وقوفك ضدّ القاتل، لنصرة أخيك في الإنسانيّة وفي الطين والدم، محكومٌ بواجب الانحياز ضدّ الظلم، ونصرة كلّ إنسان في خطر، ولا علاقة له بثنائيّة الصدق والكذب.