ثورة في لبنان لم تنتصر لذاتها

16 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

في الذكرى السنوية الأولى التي تكتمل غدا، 17 أكتوبر/ تشرين الأول، لثورة اللبنانيين واللبنانيات ضد المنظومة السياسية الطائفية والمذهبية الحاكمة، ونظامها المافيوي اللصوصي، وفساده الذي فاق كل التوقعات، خارقا كل السقوف، ومتجاوزا كل الحدود التي يمكن لسلطة الدولة أن ترتكبها وتبقى هي ذاتها، سلطة "مهابة" امتهنت (من المهنة) كل ما تجترح المهانات لذاتها ولكيانها، ولكينونة من تحكمهم من فئات شعبٍ تحكمت السلطة في عملية هندسية سقيمة، لتقسيمه وشرذمته، وتعاطت معه وكأنه بقايا شعوب، وتحاصصت باسمه في ما بينها، لصالح ذاتها المريضة المسمومة بسموم العظمة، وخيلاء من لا يرى سوى ذاته، في مرآة السلطة/ الدولة المنكوبة والمسلوبة والمنهوبة، فلا ترى إلى الشعب شعبا ولا ترى إلى الدولة دولته، بقدر ما ترى إلى الدولة دولة النهب والفساد والإفساد، ولكنها رأت في ذاتها سلطة القوة والغلبة، صاحبة الإقطاعيات المتوارثة (وراثة الأبد)؛ أبد سلطة بالتأكيد لن تدوم لأحد؛ مهما بلغت من عتو القائمين بها وعليها، مباشرة أو بالواسطة، من قبيل سلطة عميقة، تناور وتداور حتى لا يسقط سقف سماء السلطة اللصوصية الحاكمة، وتنتهي على الأرض؛ وإلى ما تحتها.

ما دامت السلطة تمضي في غيّها، فإن حبل الثورة لن يكون قصيرا، وهذا ما راهنت عليه السلطة وما فتئت تراهن عليه لإنهائها، من دون أن تحقق أي منجز للشعب المكتوي بنيران المسلكيات السلطوية وتحاصصاتها الفئوية الطائفية والمذهبية والشخصانية والمناطقية، وتقاسم الاقتصاد الوطني مغانم لمافيا وكارتيلات الزعامات السلطوية "المتشاركة"، على اختلاف طوائفها ومذاهبها، حتى أصبحت زبائنية السلطة وأهلها هي الهدف المرتجى لأشخاصها ولشخوصها، ولكل المريدين لها من سلطويي "الدولة العميقة"، وقواعدها من بقايا وشلايا وقطايا طبقاتٍ، لا انتماءات اجتماعية أو سياسية لها، بقدر ما هي أقرب إلى رثاثة الهوامش؛ هوامش السلطة والسياسة والثقافة والاجتماع، بل وعالم البشر حتى.

الثورة تتعرّض للخيانات والخذلان والطعن في الظهر، من قبل من لم يعرفوا للثورة أي معنى، لا الآن ولا من قبل

عام على نيات ثورة لم يكتمل تنظيم قواها، أو صياغة برنامجها الثوري، أو اكتساب مزيد من الحشد الجماهيري لها، ولأهدافها المؤمل إنجازها، من دون المرور بسلسلة من التسويفات والمماطلات والتسويات غير المبدئية، وذلك على حساب الثورة وجمهورها وأهدافها، كما على حساب تغيير حقيقي جاد، وإصلاحٍ يقارب مسألة التغيير الأكثر جذرية من دهلزة التعديلات الواهية، ومقاربة تهويمات اللفظ الشعاري، وخدعه وأضاليله، ليس أكثر، وتلك مسألة يشترك فيها "ثوريون إصلاحيون" وسلطويون لا يحبّذون أي مسألة إصلاحية، بقدر ما يتشبثون بأمر واقع السلطة؛ سلطتهم التي رسّمتهم حكاما سلطويين، ورسّموا السلطة لهم ولأذنابهم، "سلطة أبدية" لهم ولورثتهم، على الضد من كم القوانين والتشريعات التي شرعوها، وفق مصالحهم الخاصة والشخصية والعائلية والطائفية والمذهبية؛ وعلى الرغم من دستورِ مطواع لهم بالتحديد، لا لتنظيم الدولة وعلاقتها بشعبها من المواطنين، فلا رأينا ولم نر في بلادنا، للأسف، دساتير تنظم العلاقة بين دولة ومواطنيها، بقدر ما نعيش في أكناف دول الرعايا وقوانين دستورية شكلية، العنصر الأقوى فيها يعمل لصالح السلطة. أما شعب المواطنين فهو العنصر الأضعف الذي لا سند له في داخل بلاده، وقد لا نجد من يدعمه للأسف، سوى منظمات حقوقية تهتم بوضع حقوق الإنسان في الخارج.

لقد شكلت انطلاقة الثورة، في أيامها الأولى، موسما مليئا بالأمل والأمنيات الواعدة بالتغيير الحقيقي، لكنها اليوم، وبعد عام من الانقلابات السياسية والمالية ومواسم الحرائق والانفجارات، وانكشاف كل عورات النظام السياسي وملحقاته الطائفية والمذهبية، باتت الثورة تتعرّض للخيانات والخذلان والطعن في الظهر، من قبل من لم يعرفوا للثورة أي معنى، لا الآن ولا من قبل، وهم ممن لا يراهنون سوى على "تغيير" شكلي زائف، يبقي لهم مصالحهم السلطوية كما هي، في الوقت الذي نجحوا بترحيل ثرواتهم التريليونية إلى الخارج، فيما يعاني البلد ليس من شحٍّ في العملة الصعبة، بل ومن شحٍّ في الأخلاقيات الوطنية وقيم المواطنة والمساكنة الوطنية، وهي تتعرّض اليوم لعدد من الاحتمالات التي تترجّح بين حرب أهلية مصغرة، وفوضى عنفية على امتداد الوطن، وعودة الغرائز المتوحشة اقوى مما كانت في السابق.

يسعى سلطويو المنظومة الحاكمة إلى تكريس كل جهودهم ومجهوداتهم، للبقاء في مقدمة السلطة وطليعتها

هذا في وقت يسعى سلطويو المنظومة الحاكمة إلى تكريس كل جهودهم ومجهوداتهم، للبقاء في مقدمة السلطة وطليعتها، حكما وحكومة، وتمثيل بعضهم دور المساند للثورة ودعم الثوار، وتأييد أهدافهم وتطلعاتهم نحو تغيير حقيقي جاد لمفهوم السلطة في دولة المواطنين الأحرار، وتحقيق منجزات ثورة انطلقت من قيعان المجتمع/ المجتمعات والتجمعات غير المتجانسة أو المنسجمة، هادفة إلى الوصول إلى إنجاز (وبناء) تمثيل صحيح لقوى هذا المجتمع المواطني ومكوناته، وصولا إلى مواطنة حقيقية، بعيدا عن تمثيليات الطوائف والمذاهب وممثلياتهما التي كرستها هيمنة الزعامات الفردية والقيادات والأحزاب الشمولية، وكرّست معها عبادة الأصنام. 

في هذا الوقت الذي يشهد انفضاض كثيرين ممن أبدوا تأييدهم أهداف الثورة، بأمل تحسين مواقعهم وشراكاتهم السلطوية، وهم في الأساس كانوا وما زالوا سلطويين بطبيعتهم وطبعهم، تنصب كل مساعيهم، نظريا وعمليا، على هدف تحسين ظروف مشاركتهم وشروطها في سلطة القهر المافياوية، وهم في الأصل ضمن منظومتها وليسوا خارجها.

وفي وقتٍ استعد معارضون غير جذريين لركوب سفينة الثورة، آملين نجاحهم في حجز مقاعد لهم فيها في حال تحقيقها منجزها المطلوب، سقط بعض منهم في منتصف الطريق، وها هم اليوم يجدون ذواتهم في مواجهة شعارات الثورة وأهدافها، كونها نقيض المصالح المافياوية التي باتت تتكشف كونها ليست من طبيعة طبقية أو سلطوية واحدة، فالمنظومة السلطوية الحاكمة في لبنان هي من طبيعة متحرّكة، وليست ثابتة من حيث انتماءات أشخاصها وشخوصها وتنوعهم، ولكنهم لا يختلفون على طبيعة ما يسعون إلى تكريسه؛ سلطة القوة والغلبة؛ سلطة وهمية بلا مقوّمات دولة، وغلبتها على كامل المنظومة الاجتماعية والمجتمعية القائمة في بلدٍ ينخر بناه بالكامل سوس الطائفية المقيتة، والمذهبية ذات الفئويات والهويات القاتلة. 

عام على نيات ثورة لم يكتمل تنظيم قواها، أو صياغة برنامجها الثوري، أو اكتساب مزيد من الحشد الجماهيري لها

أخيرا، لا بد من القول إن الثورة، وإن لم تنتصر لذاتها وبذاتها، فإنها ستبقى تفقد ريح الأمل رويدا رويدا، في وقتٍ تنتصر فيه السلطة على شعبها بالقطعة وبالجملة، وتلك مأساة الثورات المغدورة التي لم تنجح في امتلاك هوية واضحة لها، ولا استطاعت أن تبني قواعد ارتكاز ثابتة، أو برامج ثورية ساطعة، تفوق في سطوعها سطوع أهداف السلطة ومراميها، العامدة والعاملة على استمرار تفوقها النوعي على شعبها، وحكمه بحديد ونيران الجشع والطمع ونهب المال العام، والتحاصص على كل شيء يخص الدولة، الأمر الذي أجهض مشاريعها العامة، وقد تحوّلت، مع الوقت، إلى أرصدةٍ منهوبةٍ كانت خصصت لتلك المشاريع، وهو الأمر الذي طاول حتى أرصدة المودعين في البنوك، وجرت سرقتها "على عينك يا تاجر".