ثمن حرية الرأي والتعبير في ظل حكم السيسي

26 فبراير 2021
الصورة
+ الخط -

تنشر "العربي الجديد" النص العربي للمقال المشترك للعلماء الثلاثة، أحمد عباس، مدير بحوث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي في باريس، والأميركي مايكل هاريس، أستاذ الرياضيات في جامعة كولومبيا في نيويورك، واللبناني عساف كفوري، أستاذ المعلوماتية النظرية في جامعة بوسطن.

اشتهر الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، بلقب "ديكتاتوري المفضَّل" الذي أضفاه الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، في أثناء انعقاد مؤتمر قمة الدول السبع عام 2019. وخلال مؤتمر صحافي عُقِد في المناسبة عينها، أشاد ترامب عالياً بنظيره المصري قائلاً "لقد فهمنا بعضنا جيداً. إنه رجل رهيب للغاية، فقد قام بعمل رائع في مصر". .. هكذا كان أكبر مناصري السيسي يزيد في الثناء على نظيره المصري الذي عمل جاهداً للارتقاء إلى مستوى سمعة "الرجل الرهيب للغاية"!

ومعروف أن السيسي، اللواء والرئيس السابق لجهاز المخابرات العسكرية، قاد انقلاباً عسكرياً ضد الديمقراطية الوليدة في عام 2013، بعد مرور أقل من ثلاث سنوات على انتفاضات الربيع العربي في عام 2011. ومنذ ذلك الحين، يعيش الشعب المصري تحت سيطرة الجيش والأجهزة الأمنية.

أطلق السيسي العنان لدولة بوليسية شرسة، فاق قمعها بكثير ما كان يحدث في عهد سلفه المستبد حسني مبارك. ويفيد تقرير صادر عن دائرة البحوث التابعة للكونغرس اﻷميركي بأنه "في حين كان الرؤساء المصريون المتعاقبون منذ عام 1952 ناجحين في تركيز السلطة، سواء داخل النظام الحاكم أو خارجه، فإن بعض المؤسسات (القضائية والعسكرية) كانت تتمتع بدرجةٍ من الاستقلالية عن السلطة التنفيذية. بينما في عهد الرئيس السيسي، صارت هناك محاولة غير مسبوقة لتعزيز السيطرة على جميع فروع الحكومة". وعلى وجه المثال، في أبريل/ نيسان 2019، وافق مجلس النواب المصري الذي أصبح مجرّد مجلس مطيع للسيسي ويثني على قراراته، على تعديلاتٍ تمنح "الرئيس سلطة تعيين جميع رؤساء الهيئات القضائية المصرية والنيابة العامة".

مارست الأجهزة الأمنية المصرية في ظل حكم السيسي الاعتقالات التعسفية لمنتقديه من الأطياف السياسية كافة، من يساريين إلى إسلاميين. وقامت تلك الأجهزة بعملها علناً متفلتةً من أي قيد، حيث زادت من قمعها بشكل سافر، كي لا يتم التسامح حتى مع أصوات المعارضة الخافتة، وذلك كله مع دعمٍ أميركي لا يتزعزع. ولعدة عقود، كان أكبر المستفيدين من برنامج المعونات العسكرية الأميركية الى الدول الأجنبية هما إسرائيل (3.1 مليارات دولار ) ومصر (1.3 مليار دولار)، وهما اللتان تتلقّيان حوالي 75 %من مجموع المعونات العسكرية الأميركية إلى الدول الأجنبية.

يتم حبس وفرض عقوبة الحبس بناءً على تهم تافهة إن لم تكن مزيفة

 

ولم يكن المسؤولون الأوروبيون أقل تواطؤاً في تمكين نظام السيسي الاستبدادي، بل إن بعضهم ناصره على أنه مثال للقيادة الحصيفة، وغَضّوا النظر عن الانتهاكات التي يرتكبها. وفي أثناء زيارة رفيعة للسيسي إلى فرنسا بين السادس والثامن من ديسمبر/ كانون الأول الماضي، مدَّ له الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، البساط الأحمر. وسواء نتيجة جهل أو تجاهل، وصل الأمر بماكرون إلى أنه منح السيسي وسام جوقة الشرف، ارفع وسام فرنسي، في حفل فخم اُقيم في قصر الرئاسة الفرنسية، ولم تكن تلك اللحظات أقل خزيًا من تلك التي أضفى عليه ترامب خلالها لقب "ديكتاتوري المفضَّل". ولعل ادّعاء ماكرون الوقح أن "فرنسا ستقدم دائماً الدعم .. لحقوق الإنسان" لن يكون أكثر من كلام فارغ، عندما يتعلق الأمر ببيع معدات عسكرية لزبائن متحمسين. ففي عام 2019، كانت فرنسا ثاني أكبر مصدر أسلحة للجيش المصري (1.1 مليار دوﻻر) بعد الوﻻيات المتحدة، وكانت مصر من بين أكبر ثلاثة زبائن لصناعة اﻷسلحة الفرنسية.

تروي الأرقام الصادرة عن منظمة هيومن رايتس ووتش، ومنظمة العفو الدولية، ومجموعات حقوقية أخرى، رواية مروّعة للغاية عن مصير الذين يقعون فريسة جهاز الأمن المصري. وحسب تقدير "هيومن رايتس ووتش"، يحتجز نظام عبد الفتاح السيسي ما يزيد عن 60 ألف سجين رأي. وداخل مجمّع السجون الضخم المعروف باسم "سجن طرة"، جنوب القاهرة مباشرةً، هناك قسم خاص يُسمى "برج العقرب" ومخصص للسجناء السياسيين. ووفقًا لأحد حراسه السابقين، "صمّم برج العقرب بحيث لا يخرج المرء منه إلا إذا مات".

مارست الأجهزة الأمنية المصرية في ظل حكم السيسي الاعتقالات التعسفية لمنتقديه من الأطياف السياسية كافة، من يساريين إلى إسلاميين

ويتم حبس وفرض عقوبة الحبس بناءً على تهم تافهة إن لم تكن مزيفة. نتيجةً لذلك، أقيل أحد كبار المسؤولين العاملين في وحدة مكافحة الإثراء غير المشروع، بعد فضحه شبكة واسعة من الفساد داخل الحكومة، يشارك فيها قادة عسكريون، وعندما أصرَّ الضابط على موقفه، حُكم عليه بالسجن خمس سنوات بتهمة "إهانة الجيش". وفُرِضت الإقامة الجبرية على عضو في مفوضية الحقوق والحريات المصرية، لنشرها مقطع فيديو على صفحة "فيسبوك" الخاصة بها، تحدثت فيه عن تفشي ظاهرة التحرّش الجنسي في مصر. وعندما انتقدت لاحقاً الحكومة، لتقاعسها عن معالجة ظاهرة العنف الجنسي، فُرِضت عليها عقوبة السجن عامين.

وتستخدم السلطات قوانين الإعلام بشكل روتيني، لتكثيف حملة القمع على الصحافيين المصريين الذين يجرؤون على الانحراف عن الرواية الرسمية؛ ولو أصرّوا على موقفهم يتم زجّهم في السجن بعد إجراءاتٍ قانونية مقتضبة. وسعياً منها إلى كمّ أفواه المنشقين في المنفى، قامت السلطات بمضايقة ذويهم في مصر بشكل روتيني، وأرغمت الأهالي على التبرؤ من أولادهم على شاشات التلفاز، واحتجزت الآباء والإخوة بتهم إرهاب ملفَّقة. وبسبب هذه التهم، ارتكبت انتهاكاتٌ لا تعد ولا تحصى، أحدثت حالة من الهلع الكبير، حيث يتم التعامل مع أي معارضة واهية على أنها خطر وجودي.

حان الوقت لكي تعامل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي السيسي بمزيد من الصرامة، ومطالبته بوضع حد لفظاعات جهازه الأمني

ويتلخص القمع الشرس الذي يمارسه نظام السيسي في المعاناة التي كابدتها زميلتنا أستاذة الرياضيات في جامعة القاهرة، ليلى سويف، وعائلتها سنوات طويلة. والقمع السياسي في مصر ليس أمرا جديدا بالنسبة لها ولأسرتها، إذ في ثمانينات القرن الماضي، اُلقِيَ زوجها أحمد سيف الإسلام، المحامي والمدافع البارز عن حقوق الإنسان، في السجن لأنشطته اليسارية، وخلال فترة سجنه ولدت ابنتهما منى. وفي نوفمبر/ تشرين الأول 2013، في أعقاب الانقلاب العسكري بقيادة السيسي، شهدت سويف، وللمرة الثانية، اعتقال ابنها علاء الذي يمثل إحدى أيقونات الثورة المصرية عام 2011. وفي شهر يونيو/ حزيران 2014، جاء دور ابنتها سناء التي اعتُقِلت خلال تظاهرة تطالب بإطلاق سراح السجناء السياسيين، بمن فيهم علاء. وقد أعلنت ليلى وأولادها الثلاثة، واثنان منهم قابعان في السجن، إضرابًا عن الطعام ما يزيد عن الشهرين احتجاجاً على حبس علاء وسناء. وفي سبتمبر/ أيلول 2019، بعد مرور فترة وجيزة على إطلاق سراحه من السجن، أُلقِيَ القبض على علاء مرة أخرى، وسعت ليلى، من جديد، إلى إطلاق سراحه، بينما كانت لا تزال تمارس عملها في التدريس الجامعي. وبعد تنظيمها تظاهرة صغيرة تطالب بالإفراج عن المعتقلين، عقب انتشار جائحة كورونا، قُبِض عليها، ولكن أُخلِيَ سبيلها في اليوم التالي. وردًّا على قرار تعليق الزيارات في السجون وقطع الاتصالات مع أفراد الأسر، بدأت ليلى اعتصاماً أمام السجن مطالبةً بالسماح لها بمراسلة ابنها، وتم الاعتداء عليها وعلى ابنتيها اللتين كانتا ترافقانها. وعندما توجهن إلى السلطات لتقديم بلاغ عن الاعتداء، اعتقل رجل شرطة بلباس مدني إحداهما سناء.

لقد حان الوقت لكي تعامل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي السيسي بمزيد من الصرامة، ومطالبته بوضع حد لفظاعات جهازه الأمني. كما حان الوقت لمد يد المعونة للناشطين الحقوقيين المصريين الشجعان، وإدانة الثمن الباهظ الذي دفعوه في مقاومتهم حكم السيسي الاستبدادي. وقد أعلن الرئيس الأميركي جو بايدن، في تغريده خلال حملته الانتخابية في يوليو /تموز الماضي "ﻻ شيكات على بياض بعد اليوم لديكتاتور ترامب المفضَّل". .. جاء الآن دور الرئيس بايدن للإيفاء بوعده.