ثلاثة قبور على الحدود

ثلاثة قبور على الحدود

26 نوفمبر 2021
الصورة
+ الخط -

من أملٍ في عبور الحدود البيلاروسية البولندية، ومحاولة العيش بأمان وكرامة، إلى مجرّد ثلاثة أجساد أنهكت فاستسلمت للموت قبل أن تُدفن. رمي فوقها التراب، وكتِبت الأسماء المعروفة على الشواهد وانتهت الحكاية. اتفق الجميع على المأساة التي حلّت بالمهاجرين الثلاثة، ولم يُجمعوا على جنسياتهم. هل جميعهم عربٌ من اليمن وسورية والعراق، أم بينهم مواطن أفريقي دفن مجهول الهوية، من دون أن يتعرف إليه أحد؟ وما الفرق؟ ينحدر هؤلاء، كما مئات آلافٍ حاولوا طوال السنوات الماضية عبور الحدود الأوروبية من بلدانٍ تخلت عن مواطنيها منذ زمن. غرق ساستها في الفساد والزبائنية والتسلط، وأغفلوا تحسين معيشة الناس وإيجاد فرص العمل لهم، وحتى توفير الأمان، ولم يترددوا بقتلهم وارتكاب المجازر بحقهم.

منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي تحولت إلى أكبر مصدّر للهجرة في العقد الأخير، احتلت هذه المرتبة بجدارة سياسييها. الجزء الأكبر من بلدان المنطقة يواجه أزماتٍ تتراوح بين سياسية أو اقتصادية أو أمنية أو حتى مناخية، والمرجّح أن تتحول الأخيرة إلى أحد أهم أسباب الهجرة خلال العقود الثلاثة المقبلة. وما البلدان العربية سوى جزء من هذه البقعة الجغرافية.

عندما يصبح احتمال الموت بالنسبة للمهاجرين على طريق الهجرة أفضل من خيار البقاء في البلد، فهذا يعني أنه لا يوجد لديهم ما يخسرونه. حتى أن عدداً لا بأس به ممن أعيدوا أخيراً إلى العراق أو في لبنان، يتحدّثون صراحة عن نيتهم إعادة المغامرة. وهو أمرٌ ليس مستغربا. في عام 2019، أجرت الأمم المتحدة إحصاء، تضمن مقابلات مع 1970 مهاجراً من 39 دولة أفريقية في 13 دولة أوروبية، وأظهر أن "93% من الأفارقة ممن يسافرون إلى الدول الأوروبية عبر طرق غير نظامية، سيفعلون ذلك مرة أخرى، رغم المخاطر المهدّدة حياتهم التي يواجهونها في أحيان كثيرة". والحديث عن المخاطر هنا لا يشمل مجرّد إعادتهم إلى بلدانهم وخسارة الأموال التي جمعوها بصعوبة، وحتى استدانوها، للسفر، بل الوقوع في أيدي مهرّبي البشر، التعرّض للسجن والتعذيب والابتزاز، احتمال الموت غرقاً في قاربٍ يتعطّل أو ينقلب بهم، أو بسبب صدمهم من خفر السواحل لإغراقهم عمداً.

وفي جعبة أي حالم بالهجرة ما يكفي من الحجج لتبرير موقفه، أو بشكل أدقّ يأسه، وتعلقه بوهم أن الانتقال من بلده إلى أوروبا سيفتح له أبواب النعيم، ولو بعد حين. ولا يدرك المهاجرون، أو على الأرجح يتغاضون، عن فكرة أنهم، في أحيان كثيرة، ما يكونون عرضةً للاستغلال السياسي، إذ تفتح الحدود لهم أو تغلق عليهم لتحقيق غاياتٍ من يجلسون خلف الكراسي والباحثين عن مكاسب تصرف في بازار السياسة الدولية. وحتى من دون حملة منظمة لبثّ أخبار مزيفة تستهدفهم، فإن هؤلاء المهاجرين يتعلقون بأي قشةٍ يمكن أن تظهر أمامهم للنجاة من واقعهم المزري في بلدانهم.

أما الدول الأوروبية التي تكتفي بتقاذف عبء المهاجرين في ما بينها، وتحاول، بكل ما أوتيت من سبل، صدّ فرص العبور في وجوههم، فإنها في حقيقة الأمر تخفي مسؤوليتها الكبرى عن الهجرة، ليس بسبب إقفال الحدود أو فتحها، بل نتيجة تحالفاتها السياسية مع الأنظمة في البلدان التي يتدفق منها المهاجرون. من مصر، إلى ليبيا، وتشاد، والنيجر، ومالي، والعراق .. والقائمة تطول، يبدو المشهد مكرّراً. أنظمة سياسية غير ديمقراطية، انتهاكات بالجملة لحقوق الإنسان، فساد سياسي واقتصادي، لكن ذلك كله لا يمنع من الاستمرار في تغطية هذه الأنظمة وجرائمها، بل وإغداق المليارات عليها بذريعة مكافحة الهجرة غير النظامية.