ثلاثة عقود من التفاوض العبثي مع إسرائيل

ثلاثة عقود من التفاوض العبثي مع إسرائيل .. ألم يحن الوقت للمراجعة؟

19 نوفمبر 2021
الصورة
+ الخط -

تبذل السلطة الفلسطينية جهودا متواصلة "للعودة إلى المسار السياسي مع إسرائيل"، أملا في تمديد صلاحيتها، خصوصا في مرحلة التردّي التي تعاني منها تلك السلطة، بعد أحداث شهر مايو/ أيار الفائت في القدس (الشيخ جرّاح) وغزة وعموم الأراضي الفلسطينية، حيث قدّمت تلك الأحداث مزيدا من الأدلة الدامغة، ليس فقط على عجز السلطة الفاضح عن الوقوف إلى جانب شعبها، بل وعزّز تخاذلها المعروف، وتعاونها مع الاحتلال، القناعة بأنها أصبحت عبئا على القضية وعقبة حقيقية في طريق أي عمل فلسطيني لمواجهة الاحتلال، سواء أكان ذلك بالمقاومة المشروعة، أو بالعمل الدبلوماسي كاللجوء إلى المحاكم الدولية، أو بالمقاومة السلمية، أو المقاطعة (B.D.S)، أو حتى بالتظاهر والاعتصام المدني والإضراب. وقد شاهدنا بشاعة القمع الذي تمارسه شرطة السلطة ضد التظاهرات التي يقوم بها الفلسطينيون رفضا لاستمرار الاحتلال الجاثم على صدورهم منذ ثمانية عقود، ورفضا لممارساته البشعة والبربرية والمنتهكة لكل القوانين والأعراف الدولية من أجل استعمار الأرض بكاملها وتنظيفها عرقيا من أصحابها الشرعيين. 
ومع ما وصلت إليه السلطة من الإفلاس السياسي، ومع عجزها الكامل عن تسجيل أي إنجاز ثلاثة عقود، منذ اتفاق أوسلو الكارثي، لشعبها أو لقضيتها، ومع انكشاف أمرها وكيلا للاحتلال ومسهّلا لمشاريعه الاستيطانية الاستعمارية، ومع فشل كل مشاريعها التفاوضية، على الرغم من استمرار مسلسل التنازلات عن الأرض والحقوق، والاستعداد للقبول بأقل الفتات؛ على الرغم من ذلك كله ما تزال السلطة تأمل في تمديد صلاحيتها بالدخول مجدّدا في حلقة التفاوض العبثية المفرغة، من أجل كسب مزيد من الوقت، والاستمتاع بمزيد من الامتيازات التي ترعرعت فيها على حساب الوطن والشعب المنكوب والقضية المخذولة. 
يبدو أن السلطة لم تستوعب أيا من الدروس القاسية: دروس الدجل والفشل والتراجع والهزائم، وفوق ذلك كله درس المعاناة التي تعرّض لها الشعب الفلسطيني، ولا يزال، منذ ما يقارب المائة عام. يبدو أن السلطة لم تدرك بعد أن الوضع لا يحتمل مزيدا من التدليس التفاوضي بأي قدر، وأنها لا تستوعب القول الحكيم: تستطيع أن تخدع بعض الناس كل الوقت، وكل الناس بعض الوقت، ولكنك لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت.

لم تكن إسرائيل تتردّد في التفاوض، ما دامت تتحكّم بنتائجه، كما تتحكّم بإدارته، كغطاء دخان يخفي ممارستها على الأرض

لست بصدد الإشارة إلى تفاصيل محاولات السلطة اليائسة، وخطاباتها المتكرّرة في المحافل الدولية، وتصريحاتها، في كل مناسبة، بشأن استعدادها للعودة للتفاوض؛ "من خلال الرباعية"، أو "ضمن إطار مؤتمر دولي" أو "وفقا للقرارات الدولية والاتفاقات الموقعة بين الجانبين" أو المبادرة العربية، أو غير ذلك من الطروحات الوهمية التي وفرت لإسرائيل الوقت، وهيأت لها الظروف الملائمة تحت غطاء "التفاوض العقيم"، لمواصلة بناء المستوطنات الاستعمارية، ومصادرة الأراضي، وتهجير أصحابها، والتنكيل بهم، وحرمانهم من أبسط حقوقهم، فوق الحصار والتجويع والقمع والترويع والإذلال والقتل بدم بارد. 
لا بد من التنويه بأن موقف السلطة الفلسطينية من العودة إلى التفاوض يحظى بتأييد عربي وأوروبي ودولي، لأن الخيار الأفضل لهذه الأطراف جميعها هو العودة إلى التفاوض، بغض النظر عن النتائج، فالعودة إلى مسار التفاوض يعفي هذه الأطراف من مسؤولية اتخاذ مواقف جريئة وجديدة وقادرة على تحريك المياه الآسنة التي غرقت فيها "عملية السلام" منذ عقود.
ترى هذه الأطراف أن الخيار الأفضل والأسلم والأقل كلفةً هو ترديد الشعارات الجوفاء التي عفا عليها الزمن، مثل "حل الدولتين"، ذلك السراب الذي أصبح مجرّد النطق به والإعلان عن قبول حل الدولتين ودعمه بمثابة تزكية تعفي من يحظى بها من أية مسؤولية لاحقة، فلا غرابة، إذن، أن نسمع من الرئيس بايدن قوله إنه يؤمن بحل الدولتين، ولكنه لا يرى ذلك الحل آتياً في المدى القريب.
في وقت سابق ليس ببعيد، لم تكن إسرائيل تتردّد في التفاوض، ما دامت تتحكّم بنتائجه، كما تتحكّم بإدارته، كغطاء دخان يخفي ممارستها على الأرض، ويسهل عليها مهمة تبرير فظائعها أمام ما يسمّى المجتمع الدولي (على تفاهة دوره) بحجة أن "كل شيء خاضع للتفاوض، وأن التفاوض قائم". ولكن أي تفاوض؟ إنه التفاوض اللامحدود زمنيا، والذي لا يستند إلى مرجعية، ولا يخضع لشروط، ولا يتطلب أي التزام بالقانون الدولي أو المراعاة، حتى لا أقول الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني. ولكن الحكومة الإسرائيلية الحالية ترفض التفاوض مع السلطة الفلسطينية، كون الحاجة إليه، من وجهة نظرها، انتفت، فهي تتحكّم بالأمور مباشرة، وهي لا تشعر بأي حاجة لتبرير، ولا حتى لتفسير إجراءاتها على أرض فلسطين. وكما نسمع من مسؤوليها فهي ليست معنيةً بالوصول إلى أية تسوية مع الفلسطينيين، لا الآن، ولا في أي وقت. وكل ما تريده إسرائيل هو إدامة الوضع الحالي، إدامة الوضع التي لا تعني تجميد إجراءات الاستيطان والتهويد والتهجير، بل استمرارها؛ مع "التفضل" على الفلسطينيين بتحسين ظروفهم المعيشية اليومية، حتى يرتاحوا في ظل الاحتلال الدائم، والذي لا يواجه بأي اعتراض دولي أو حتى عربي.

فلسطينيون يرمون بالمقلاع الحجارة على جنود الاحتلال في بلدة بيتا (2/7/2021/فرانس برس)

في الواقع، المسألة تتعدّى عدم الاعتراض إلى التشجيع. والأصح أن الصمت الدولي، والدعم الأميركي المطلق، والدعم الأوروبي المتزايد، والتطبيع العربي المنفلت، ذلك كله يوفر لإسرائيل مزيدا من الشعور بالاطمئنان وعدم القلق من أي رد فعل جاد لإجراءاتها. كما أنه يعزّز لها الحماية والحصانة والأمان من أية عواقب أو أية مساءلة؛ الحصانة الموجودة أصلا، ولكنها تتكرّس في ظل الأوضاع الراهنة.  
تبدّد التفاؤل الذي انتشر بذهاب ترامب ومجيء بايدن. عمليا، لم يُقدِم بايدن على نقض أي إجراءٍ من التي اتخذها سلفه؛ وهي التبنّي الكامل والمطلق لموقف إسرائيل ومنحها كل ما تريد على حساب الحقوق الفلسطينية، وعلى حساب القانون الدولي والعدالة والمنطق.
لم يتراجع بايدن عن الاعتراف بالقدس بكاملها العاصمة الموحدة لإسرائيل، ولا عن نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إليها. ولم يتراجع بايدن عن قرار سلفه بالاعتراف بالجولان أرضا إسرائيلية. ولم يفِ بايدن بما ألمح إليه من أنه سيعيد فتح القنصلية الفلسطينية في القدس، ولا إعادة فتح سفارة فلسطين في واشنطن، مع أن ذلك لو حدث، لن يتعدّى كونه إجراءات رمزية ومسكّنات تهدئة مؤقتة لا علاقة لها بالعناصر الأساسية للقضية التاريخية الكبرى. 
كل ما عملته إدارة بايدن أنها تراجعت عن إجراءاتٍ اتخذتها الإدارة السابقة، كان من شأنها أن تضرّ بإسرائيل أيضا، مثل قرارات ترامب وقف تمويل بعض مؤسسات السلطة الفلسطينية، ووقف تمويل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا). 
لقد أعادت إدارة بايدن بعض التمويل للسلطة الفلسطينية ولـ"أونروا"، لأن في انهيارهما ما يشكل عواقب خطيرة على إسرائيل: الخطر الأمني لو انهارت السلطة وأجهزتها الأمنية المتعاونة مع إسرائيل؛ والخطر الجماهيري لو أدّى انهيار "أونروا" لترك الملايين من الفلسطينيين بلا غذاء ولا دواء ولا تعليم ولا خدمات أساسية، ولو توجّه اليأس بهؤلاء نحو التطرّف والعنف. لقد كان الرئيس ترامب، الذي دَرَجَ على تبنّي مواقف حكومة نتنياهو المتطرّفة الحمقاء بلا مناقشة، قد تلقّى أكثر من تبنّيه من بلده، كما من القيادات اليهودية، أن من شأن التخلي عن المهمة الإنسانية التي تقدّمها وكالة الغوث للاجئين الفلسطينيين، قبل الوصول إلى حل عادل لقضيتهم، سيحوّل بيئاتهم إلى أرض ملائمة لتغذية مزيدٍ من التطرّف والعنف، وحتى لتجنيد الإرهابيين، ولكنه لم يأبه بذلك.
إذن، لا تزال إسرائيل تمسك بقوة بزمام المبادرة، نتيجة هذا الدعم الأميركي المطلق. يخطئ من يعتقد أن إدارة بايدن، كما حال الإدارات السابقة، قد تقدم على أي قرار أو تتخذ أي موقف أو حتى تنطق بأي تصريحٍ يتعلق بالوضع في المنطقة بأسرها (ليس فقط بما يخص قضية فلسطين)، من دون الحصول على موافقة مسبقة من إسرائيل.

تكمن الخطورة الحقيقية في أن الالتزام الأميركي يُوظّف (بل يُجنّد) كل إمكانات أميركا السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية لصالح إسرائيل

لهذه الأسباب، لم تدم طويلا موجة التفاؤل التي رافقت مجيء بايدن، فالتزام بايدن بالمشروع الصهيوني، عبر مسيرته السياسية، معروف. وباستثناء تصويب بعض الأخطاء الفادحة التي ارتكبها سلفه في قضايا مختلفة أخرى، لم يُقدم بايدن على أي موقفٍ يتعارض مع مطالب إسرائيل مواقفها؛ لم يكن راغبا ولم يجد نفسه مضطراً.  
لا بد من توضيح أبعاد خطورة الالتزام الأميركي المطلق بالموقف الإسرائيلي. فهي لا تقف عن حدود العلاقات الثنائية، أي أن دولة عظمى تساند إسرائيل، حقا أو باطلا، تساند وتدافع عن كل ممارسات إسرائيل العدوانية غير القانونية ولا تأبه بما يلحق بضحايا تلك الممارسات من ظلم وانتهاك وضرر. وتكمن الخطورة الحقيقية في أن هذا الالتزام الأميركي يُوظّف (بل يُجنّد) كل إمكانات أميركا السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية لصالح إسرائيل، ولدعم المخططات الإسرائيلية التي استهدفت استقرار المنطقة، والتي في الواقع حرمت المنطقة من أن تنعم بأي استقرار منذ قيام تلك الدولة. 
وعلى الرغم من أن تبنّي أميركا المواقف الإسرائيلية عقودا، ووضع المصالح الإسرائيلية فوق المصالح الأميركية وأمامها، كما فصل ذلك جون ميرشايمر وستيفن وولت في كتابهما الذي صدر عام 2007 (The Israel Lobby and U.S. Foreign Policy) by John J. Mearsheimer and Stephen M. Walt. وعلى الرغم من أن سياسة أميركا هذه ألحقت أضرارا غير محدودة بعلاقات أميركا مع العالمين، العربي والإسلامي. مع ذلك كله، لا تزال أميركا، إدارة بعد إدارة، ورئيسا بعد رئيس، تنتهج السياسة نفسها، والتي قد يفيد التذكير ببعض أركانها. 
تمول أميركا إسرائيل وتسلحها بالقدر الذي تحدده وتطلبه إسرائيل نفسها. قبل أن يغادر الرئيس أوباما ونائبه بايدن (الرئيس الحالي) موقعهما، التزمت إدارتهما بتقديم 38 مليار دولار لإسرائيل على مدى عشر سنوات دون أية شروط كالعادة. وأميركا تضغط على دول كثيرة أخرى، لكي تدعم إسرائيل وتلبي مواقفها وحتى مطالبها، وتمتنع عن نقد ممارساتها. وفي حال عدم الاستجابة، تتعرّض تلك الدول للعقوبات، وتحاك ضدها المؤامرات، وتُحرِّض عليها المنظمات والهيئات الدولية. وقد تسجل على قائمة الإرهاب، حتى يفرض عليها "قانون الحرمان" Excommunication من الجميع. 
تضغط أميركا على الدول الصديقة، من أجل أن تتماهى سياساتها مع إسرائيل، وتحثها على عدم اتخاذ أو عدم تأييد أي إجراء يلوم، حتى لا أقول يعاقب، إسرائيل على جرائمها واعتداءاتها وانتهاكاتها الدائمة ضد القانون الدولي. وضمن هذا الإطار، ضغطت إدارة ترامب على دول عربية وغيرها لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل، والقفز فوق الأوضاع الشاذّة في المنطقة، والقضايا التي يتوجب معالجتها، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، من أجل إرساء قواعد سليمة وعادلة وقانونية تبني عليها العلاقات الطبيعية، فكيف لبناءٍ يقام فوق الركام والدمار والظلم واليأس أن يصمد؟

مظاهرة في لندن لنصرة الفلسطينيين (2021/5/22/Getty)

قبل عشرين سنة، عرض العرب على إسرائيل مبادرة لإقامة علاقات طبيعية وسلام دائم مقابل التزام إسرائيل بحقوق الأطراف الأخرى. وإنهاء الاحتلال والاعتراف للفلسطينيين بحقهم في الاستقلال والدولة، ولكن إسرائيل رفضت وما تزال. وها هي إدارة بايدن تتبنّى ما تسمّى "اتفاقات أبراهام"، وتحثّ على مزيد من التطبيع مع إسرائيل، من دون مطالبتها بإنهاء احتلالها ولا بالتزاماتها بالقرارات الدولية المتراكمة منذ أكثر من سبعة عقود. وأهم من ذلك، من دون مراعاة من إدارة بايدن بأن من شأن مكافأة إسرائيل على انتهاكاتها وجرائمها بهذا القدر المفرط والأهوج أن تشجّع الإسرائيليين على مزيدٍ من التصلّب والرفض والجشع، بدلا من نهج الحوار الجاد للوصول إلى التسويات السلمية والقانونية والمعقولة. وبدلا من أن توجّه إدارة بايدن أي نصح لإسرائيل لإعادة النظر في سياساتها التي عمقت العداء بينها وبين محيطها، فإنها تضغط على السلطة الفلسطينية لعدم ملاحقة إسرائيل في المحاكم الدولية على جرائمها، والبحث بدلا عن ذلك عن "مكارم" اقتصادية وهمية وصدقات من المحسنين الأوروبيين للفلسطينيين، لتجميل صورة الاحتلال وللتماهي مع سياسة إدامة الحال على ما هو عليه، تماماً كما تريد إسرائيل. 
ولكن على الرغم من أن الأوضاع الدولية والإقليمية والعربية (ومن ضمنها وضع السلطة الفلسطينية) تبدو مواتيةً لإصرار إسرائيل على التمسّك بكل مكاسبها، وعلى رفض الدخول في أية مفاوضات، يترتب عليها القبول بحلول توفيقية وربما تنازلات، إلا أن الحفاظ على الوضع الراهن لن يكون مضموناً. هكذا أثبتت الأحداث على طول عمر الصراع. لا يمكن أن يتخلّى الفلسطينيون عن حقوقهم السياسية وعن أرضهم مقابل صدقات المجتمع الدولي و"حسن نية الاحتلال". ولا يمكن أن يقبل الفلسطينيون بالأسر الأبدي مقابل لقمة العيش. وقد شهدنا أن فترات الهدوء الخادع لم تكن إلا جمراً ملتهبا تحت الرماد. وعلى كل من يعتقد أن الاحتفاظ بالوضع الراهن، وأن الدخول مجدّدا في حلقة المفاوضات العبثية سيتحوّلان إلى سلام واقعي، أن يقرأ أحداث شهر مايو/ أيار الفائت، عندما انطلقت الشرارة من حي الشيخ جرّاح في القدس المحتلة، لتشمل كل الأراضي الفلسطينية، بما فيها التي احتلت عام 1948، بالإضافة إلى غزة طبعا. وهنالك أمثلة كثيرة غير ذلك. ولم ينس أحد ولم يدجَّن أحد، على الرغم من مرور الزمن، خلافا لتوقعات كثيرين. لم تحدث معظم الحروب بقرارات، بل بصواعق صغيرة نتيجة أحداث صغيرة. ومن الطبيعي تبعا لذلك، ونظرا إلى إسراف المحتل الصهيوني في غيّه وعدوانه، أن يحدث الانفجار في أي وقت، طال الانتظار أو لم يَطُل.
وتحجم الإدارات الأميركية عن توجيه أي نقدٍ لانتهاكات إسرائيل المفرطة للقانون الدولي، ولتجاهلها واستخفافها بعشرات القرارات الدولية، سواء كانت من الجمعية العامة أو من مجلس الأمن، بما فيها التي كانت أميركا قد صوّتت لصالحها. ما هو أكثر من ذلك أن أميركا تنبري للدفاع عن تلك الانتهاكات وتبرّرها بالتأكيد المتكرّر الذي يردّده الأوروبيون دوما، على "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، في تجاهلٍ صارخ للحقائق والوقائع على الأرض، ومن دون مراعاة لأبسط قواعد المنطق، أن حق الدفاع عن النفس مشروع، ولكنه مشروع لمن يتعرّض للاعتداء، وليس للمعتدي. إلا إذا كان الإمعان في تطبيق المعايير المزدوجة يمنح إسرائيل حق تدمير الأبراج السكنية والأهداف المدنية وتهجير وقتل آلاف من الأبرياء في غزة (مثلا) ضمن ممارستها المشروعة حقها في الدفاع عن نفسها.

أميركا والدول التي تمضي في ركابها شريكة في الجريمة. وهي أيضا مدانة بجريمة تعطيل العدالة، وتجميد القانون الدولي وإسقاط قيمة المنظمة الدولية برمتها

وتلتزم الإدارات الأميركية ضمن هذه السياسة أيضا بالتصدّي لأي تحرّكٍ دولي في إطار الأمم المتحدة ضد انتهاكات إسرائيل، فلا حصر للحالات التي منعت فيها أميركا مجلس الأمن، ليس فقط من إصدار موقفٍ من تلك الانتهاكات الإسرائيلية، بل ومنعت المجلس من أن ينعقد لمناقشة قضايا بالغة الأهمية بالنسبة لأمن المنطقة واستقرارها؛ فقط من أجل حماية إسرائيل من المساءلة والمعاقبة. ذلك في وقتٍ يجتمع مجلس الأمن في لحظات، ويفرض أشدّ العقوبات على دول أخرى، عربية وإسلامية خصوصا، عندما تقتضي مصالح الدول المتنفذة أو مصالح إسرائيل، مثل تلك الإجراءات. ولا تعني هذه الإجراءات الحمائية من أميركا لإسرائيل فقط إفلات إسرائيل من العقاب، بل أيضا أن أميركا والدول التي تمضي في ركابها شريكة في الجريمة. وهي أيضا مدانة بجريمة تعطيل العدالة، وتجميد القانون الدولي وإسقاط قيمة المنظمة الدولية برمتها، وقيمة ميثاقها وقيمة أمينها العام الذي عليه من أجل الحفاظ على موقعه، وعلى امتيازاته السخية، أن يكيّف سلوكه ويكيف مواقفه بحسب رغبات الدول العظمى، صاحبة القرار الأول والأخير، بشأن وجوده أصلا أو بشأن استمراره في منصبه "لولاية ثانية". 
لقد عوقب الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة، بطرس غالي، بحرمانه من تجديد ولايته الثانية، لأنه تجرّأ ونشر التقرير الذي أعده الجنرال الهولندي فان كابن في حينه عن مجزرة قانا في جنوب لبنان، وحمّل إسرائيل مسؤولية ارتكابها. ذلك حتى بعد أن وافق الأمين العام، بناءً على طلب أميركي، على تعديل التقرير وإضافة التعليق الإسرائيلي عليه (خلافا للأصول، لأن المفروض نشر التقرير أولا بشكل مستقل، وأن تأتي أية ردود عليه لاحقا، ولا تكون جزءاً منه). كان الثمن الذي دفعه غالي أن حرمه الفيتو الأميركي من تجديد ولايته، بعد أن صوّت لصالحه جميع أعضاء مجلس الأمن الأربعة عشر الآخرين. ثم استوعب الدرس بكل تجلياته الأمناء العامون الذين خلفوا بطرس غالي، كوفي عنان وبان كي مون وأنطونيو غوتيريس، إذ لم يجرؤ أيّ منهم على الاقتراب من إسرائيل. 
تفاقمت هذه الممارسات في عهد الرئيس ترامب، مع أنها لم تخرج في مضمونها عن السياق. لم يتردّد ترامب في تبني، وفي محاولة تنفيذ كل ما طُلب منه من إسرائيل: الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران (خطة العمل المشتركة الشاملة) وإغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، وقطع الدعم المالي عن وكالة الغوث بقصد تصفيتها، على اعتبار أن ذلك ينهي موضوع اللاجئين الفلسطينيين وحق العودة؛ والاعتراف بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إليها؛ والاعتراف بهضبة الجولان السورية المحتلة منذ عام 1967 أرضا إسرائيلية. وبعد ذلك، صاغت إسرائيل للفريق الأميركي الموكل بالموضوع (كوشنير وفريدمان وغرينبلات) مشروع تصفية شامل وكامل للقضية الفلسطينية، سمّوه صفقة القرن. أجاز لإسرائيل ضم المستوطنات الصهيونية وضم غور الأردن، وإنهاء حق العودة بتوطين الفلسطينيين حيث هم، والاعتراف بحق اليهود في فلسطين، تأكيدا للقانون الذي أقرّه الكنيست عام 2018 "القانون الأساسي: إسرائيل هي الوطن القومي للشعب اليهودي" بأثر رجعي؛ أي أن فلسطين، بناء على هذا القانون، هي أرض اليهود. وبالتالي، لم يكن وجود الفلسطينيين على تلك الأرض في أي وقت شرعيا. ومنحت صفقة القرن فضلات الأراضي الباقية لتكون أرضا لدولة فلسطينية بلا سيادة ولا موارد ولا سيطرة ولا جيش ولا حدود مفتوحة مع العالم، كانتونات معزولة رهن الإزالة في الوقت المناسب. ومهدت صفقة القرن للتطبيع مع بقية الدول العربية لتطويق القضية الفلسطينية، تنفيذا لنظرية نتنياهو إن السلام يبدأ من الخارج إلى الداخل. أي يبدأ مع الدول العربية، بحيث تضمحل القضية الفلسطينية، وتتقلص وتزول، تلقائيا ونهائياً.

فلسطينيون يحرقون الأعلام الإسرائيلية في غزة احتجاجا على اتفاقات التطبيع العربية (15/9/2020/Getty)

رفض الفلسطينيون صفقة القرن ورفضها الأردن. ولكن لم ينتج عن الرفض أي إلغاء لما طبق من بنودها، فالتطبيع مع إسرائيل يتسع ويتعمق. وخلافا لأي توقعات، إدارة بايدن ماضية في الدفع في هذا الاتجاه، وفي ترويج أن التطبيع يمهد الطريق للسلام. ولا أجزم أن السائرين في هذا الاتجاه يفعلون ذلك وفق قناعاتهم، أو فقط للمضي في طريق المسايرة الأسلم والنفاق والاسترضاء الانتهازي، وذلك هو الضلال المستشري، والذي ألحق بالمنطقة وبكل دولها بما فيها إسرائيل، أضرارا بالغة، وزجّها في صراعاتٍ وحروبٍ مدمّرة، وخسائر بشرية ومادية وحرمان متواصل ومتفاقم من الأمن والاستقرار. ولم تسلم أميركا نفسها من تلك الأضرار ومن عواقب سياسات العبث بأمن الشعوب والتآمر عليها، وحياكة الفتن ضد بعض دول المنطقة، تلبية لمخططات إسرائيل التي تهدف، وتعتقد أن الوسيلة الأخيرة لتمرير جرائمها ولبقائها، هي القضاء على كل ما، وعلى كل من، يعترض على تلك الجرائم، ويطالب بكبح جماح العدوان الصهيوني المستمر. 
يحلو لكثيرين، عرب أحيانا، أن يردّدوا مقولة لبعض الإسرائيليين إن الفلسطينيين "لم يضيعوا فرصة من أجل تضييع فرصة". وإنهم يتحمّلون مسؤولية ما حل بهم، لأنهم رفضوا كل عرضٍ للتسوية قدم إليهم، وإنهم ندموا على الرفض بعد فوات الأوان، كما سيندمون على رفض صفقة القرن. راجت هذه المقولة المغرضة في بعض الأوساط العربية، بعد أن رفض الفلسطينيون صفقة القرن. الحقيقة أن ما يجب أن يلام عليه الفلسطينيون (منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية) هو على ما قبلوا به، وليس ما رفضوه. 
لقد رضي الفلسطينيون بالتنازل عن 78% من أرض فلسطين، وطنهم الشرعي والتاريخي والأصيل، عند قبولهم بقرار مجلس الأمن 242، الذي لم يطبق منذ صدوره قبل 55 عاما، ولم تُعره إسرائيل أي اعتبار، ولم يجنِ الفلسطينيون منه شيئا. وقد تنازل الفلسطينيون عن مزيد من أرضهم بعد أن بسطت إسرائيل احتلالها على كل فلسطين عام 1967 وبنت عشرات المستوطنات. عندئذٍ، قبلت السلطة الفلسطينية بفكرة تبادل الأراضي وتعديل الحدود لتمكين إسرائيل من ضم مستوطناتها التي أقامتها على أرض الضفة الغربية وحول القدس.

إسرائيل هي التي أضاعت كل الفرص التي أتيحت لها لتكون جزءاً من المنطقة، ولتعيش مع جيرانها ضمن إطار العلاقات الطبيعية

وفي إطار المبادرة العربية، وقبلها من المفاوضات العبثية، قبل الفلسطينيون بصيغ غامضة تتعلق بحق العودة، تركت ثغراتٍ كبيرةً وفضفاضةً من أجل استيعاب التحفظات الإسرائيلية التي ترفض فكرة العودة برمتها، باستثناء أعداد رمزية قليلة وحالات إنسانية مشروطة جميعها بموافقة إسرائيل. وبموجب اتفاقيات أوسلو، قبلت منظمة التحرير أن تنضمّ لمن هم تحت الاحتلال بدلاً من أن تصرّ على تحريرهم كما كانت مهمتها أصلا، وأنشأت سلطةً من كوادرها لتعمل تحت نير الاحتلال ووفق شروطه وحاجاته الأمنية بالتحديد؛ ما وفر للاحتلال فرص البقاء والاستمرار ومواصلة بناء المستوطنات وتهويد الأرض والتحكّم بالموارد والتربح على حساب شقاء الفلسطينيين وكرامتهم وحقوقهم ومستقبلهم. وأخيرا، دخلت السلطة الفلسطينية في حلقة التفاوض المفتوح وغير المشروط الذي مكّن إسرائيل من أن تستنزف الجانب الفلسطيني، وتتحكّم في كل شؤونه فوق التنكيل والتهجير والقتل والسجن والحصار والتجويع والإذلال. مقابل كل هذه التنازلات الفلسطينية، لم يقدّم الجانب الإسرائيلي شيئا واحدا على الإطلاق. 
الحقيقة أن إسرائيل هي التي أضاعت كل الفرص التي أتيحت لها لتكون جزءاً من المنطقة، ولتعيش مع جيرانها ضمن إطار العلاقات الطبيعية، برفضها مشاريع سلام وتسوياتٍ لبّت معظم شروطها وحققت لها ضمانات أمنية واعترافا وتعاملا وعلاقات طبيعية. ولكن الجشع استبدّ بها وبقياداتها المتلاحقة، الجشع في الاستيلاء على كامل الأرض الفلسطينية والتخطيط للتمدّد على أراضي الدول العربية المجاورة الأخرى، والإصرار على رفض حقوق الفلسطينيين رفضا قاطعا وملاحقتهم والتنكيل بهم، ووصم كل تحرّك مشروع يقومون به للدفاع عن أرضهم وكرامتهم وأنفسهم وتقرير مصيرهم بأنه تحرّك إرهابي عدواني، وأنه تعبير عن الكراهية واللاسامية. 
على مدى السنين، اكتشف العالم الحقيقة التي استطاعت الدعاية الصهيونية عقودا إخفاءها. اكتشف العالم أن إسرائيل هي الجاني وليس الضحية، شاهد العالم عواقب حروب إسرائيل المتلاحقة على غزة ولبنان، وشاهد الحروب التي دُبّرت ونُفّذت بتحريض إسرائيلي على العراق وسورية من قوى عظمى انجرّت وراء التحريض. وبذلك عمّقت إسرائيل العداء مع جيرانها إلى درجةٍ قد يتعذّر إصلاحه. ونتيجة لذلك، ظهرت قوى المقاومة العنيدة التي تحسب إسرائيل لها كل حساب، فالجيوش النظامية، ومنها الجيش الإسرائيلي، لم تعد قادرة، كما كانت، على تحقيق المكاسب السياسية بالحروب وبالاحتلال.

"المكاسب" لا تحقق لإسرائيل أهم ما تحتاجه، وهو الأمن. لذلك يبقى أصبعها على الزناد، ويظل سبيلها للشعور بالأمان هو تدمير كل من يعارضها

صحيحٌ أن إسرائيل تعيش هذه الأيام نشوة الانتصارات الدبلوماسية بالتطبيع مع دول عربية وغيرها، وبما تحظى به من دعم متزايد من الدول الأوروبية، بالإضافة إلى الدعم الأميركي الثابت، ولكن كل هذه "المكاسب" لا تحقق لإسرائيل أهم ما تحتاجه، وهو الأمن. لذلك يبقى أصبعها على الزناد، ويظل سبيلها للشعور بالأمان هو تدمير كل من يعارضها. 
يعيش على أرض فلسطين الآن ما يقارب سبعة ملايين عربي، يفوق ذلك عدد اليهود. ولن يذهبوا، ولن يتنازلوا، ولن يستسلموا، بعد أن استنفدت إسرائيل كل أساليب القمع والاضطهاد المعروفة من أجل ذلك، ولم تنجح، فدائرة المقاومة تتسع، مع أن طاقات المقاومة الفلسطينية لم تنطلق بعد. هذه هي معضلة إسرائيل، مع ضحاياها الفلسطينيين، لا مع المغرب ولا السودان ولا دول خليجية لم تكن أصلا طرفا فعليا في النزاع. 
هل البديل هو العمل السياسي الذي تطالب به القيادة الفلسطينية؟ البديل هو العمل السياسي، ولكن ليس كما تطالب القيادة الفلسطينية .. ليس بالعودة إلى ما أثبت فشله مرة تلو أخرى. على أي تفاوض سياسي مستقبلي أن يستند لمرجعيات واضحة، وبرامج تفاوضية جادّة ومحدّدة زمنياً، والتزام من الأطراف كافة بالقرارات الدولية، ومطالبة إسرائيل بالتراجع عن كل إجراءاتها الأحادية غير القانونية، مثل إقامة المستوطنات، وتغيير معالم المدن والأراضي الفلسطينية. والأهم من ذلك كله، على أي برنامج تفاوضي أن يضع إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لكل الأراضي العربية في مقدمة أعماله. لن يكون ذلك ممكنا بلا تغيير جذري في الموقف الأميركي، وبلا ضغط أميركي جذري وصارم على إسرائيل لمراجعة كل مواقفها، فهل هذا ممكن؟