تُبنى لتُنسى

13 نوفمبر 2025

(مهنا الدرة)

+ الخط -

تنتقي ما تريده من خطاب النصر الذي ألقاه زُهران ممداني، بعد فوزه بانتخابات نيويورك، وهو خطاب لمّاح ينمّ عن ثقافة عميقة وإحالات ذكية، منها اقتباسه مقولة لماريو كومو، حاكم نيويورك من أصل إيطالي ما بين عامي 1983 و1994، ومفادها بأن الحملات الانتخابية تُدار بالشعر بينما تُحكم المدن بالنثر، وهي مقولة باهرة، وخصوصاً أنها صدرت عن سياسي، لا شاعر حداثوي أو أستاذ في الفلسفة أو النقد الأدبي، فعلى من يتولّى إدارة بلديات المدن أن يتنزّل من علياء الشعر والأحلام إلى فضاء النثر بتفاصيله، وغوايته هنا بالضبط.

ولا أعرف لماذا أخرِجت مدننا العربية من كل قياس، بعد تخريبٍ وتهميش استمرا عقوداً أُعيدت فيها إلى ريفها، فإذا هي قرى كبيرة تتوسّع عشوائياً، وتتحوّل إلى أرض للغزو والمغالبة، لا تنظيم المجتمعات وبناء إجماعاتها وثقافاتها، ومنها العاصمة الأردنية عمّان، وكانت فاتنة في سبعينيات القرن الماضي، قبل أن تُهمَل ويُنتقم منها لاحقاً، فتُريّف وتُبَدْوَن على نحو فج.

يروي الروائي السعودي عبد الرحمن منيف، وهو من مواليد عمّان، أنه لمّا عاد إليها عام 1992 بعد 37 عاماً، دُعي إلى المشاركة في ندوتين، إحداهما في مؤسّسة عبد الحميد شومان، والأخرى في الجامعة الأردنية بالتعاون مع المركز الثقافي الفرنسي، وأنه اختار عنواناً للورقة التي ألقاها في الثانية "عمّان... مدينة المياه".

ولمن لا يعرف ماضي المدينة، سيرى العنوان متطرّفاً في الخيال أو تهكّمياً، فهي أصبحت جافّة، كتلاً من الأسمنت لا تكفّ عن الزحف في الجغرافيا، فوق رؤوس التلال والجبال التي منحت المدينةَ هويتها وسكانَها مزاجهم، فمن أين جاءها الماء الذي عنوَن به منيف ورقته، وهو يعاين مدينته التي كانت خليط أجناس وإثنيات، مدينة بدو وفلاحين، جنود وأفندية وتجّار، مهاجرين وسكّان أرياف قريبة، صنعوا تلك المدينة بما يشبه البناء الأوركسترالي؟

نعرف من كتاب منيف "سيرة مدينة" (1994) أنه وعائلته كانوا يسكنون في الشارع الموازي لشارع الملك فيصل في عمّان، غير بعيد عن خط سيول المدينة التي دفعت السلطات إلى سقف إحدى مناطقها لحماية بقالاتها ودكاكينها القديمة من الغرق، ما تحوّل لاحقاً (سقف السيل) إلى أبرز معالم المدينة، على الأقل بالنسبة إلى فقرائها، حيث كانت تنتشر محلات الملابس البالية ودور السينما الرخيصة والمطاعم الشعبية.

كان الماء في تلك الحقبة جزءاً تأسيسياً من المدينة، والغاباتُ جزءاً من البلاد بأسرها تقريباً قبل أن تتصحّر، ويتحوّل حتى نهرها إلى سيل صغير لا يجري فيه الماء إلا في الشتاءات المطيرة. ... لم يكن ثمة من يتحدّث بلغة الشعر عن عمّان آنذاك، بالإحالة إلى اقتباس ممداني، ذلك أنها كانت كلها شعراً، خضرة تمتد من حدودها القديمة (ماركا والمحطّة) حتى اللويبدة والدوارين الأول والثاني من جبال عمّان السبعة. ... وعندما تكون المدينة شعراً ماذا بإمكان النثر أن يفعل؟ وبماذا يمكن أن يَعِد قادة الحملات الانتخابية إذا كانت هناك انتخاباتٌ أصلاً؟

بعد هجرة الفلسطينيين الثانية إلى الأردن عام 1967 استوت عمّان مدينة حديثة بمعنى الكلمة: بنوك ودور سينما (بعضها كان موجوداً) وشوارع تجارية بالكامل، وعمران توسّع بما يشبه انفجار حبّة الفاصولياء، بحيث لم تعد عمّان "القديمة" تلبّي التدفق البشري والتحوّلات الاجتماعية العاصفة التي رافقته، ما جعل الانتقال من الشعر إلى النثر في إدارة المدينة حتمياً، وهو ما لم يحدُث للأسف كما يجب.

ولك أن تتجوّل الآن في المدينة التي تُحِب، لتعرف كم غاب عنها الشعر والنثر معاً، مع بدايات صحوة تتمنّى أن تكون مديدة ومخطّطاً لها، لعودة الماء إلى عروقها.

ليس ثمة شارع واحد للمشاة في عمّان، لا تمثال واحداً، على الأقل لأشهر شرطي مرور في تاريخها (هزّاع الذنيبات)، لا مارش عسكرياً يقطع أحد شوارعها مساء، لا مسرح صغيراً يُرتجل في ساحاتٍ ضاقت أكثر واكتظت بمقاهي الرصيف، ولا مجرّد لوحة معدنية ترشدك إلى بيوت رجالاتها أو مؤرّخيها، ومنهم عبد الرحمن منيف نفسه. ... حتى نابليون، آخر مجانينها، مات قبل سنوات، وكذلك النيجيري، بائع الفستق بالقرب من سوق الذهب.

كأنما تُبنى مدنُنا لتُنسى، كأنما عمرانُنا لا يتأسّس إلا على الهدم، كأنما أمهاتنا لم ينقلن الماء على رؤوسهن ويقطعن الوديان والجبال ليبنين بيوت محبتهن، هناك، في المدينة التي تُحِب.

زياد بركات
زياد بركات
قاص وروائي وصحفي فلسطيني/ أردني، عمل محررا وكاتبا في الصحافتين، الأردنية والقطرية، وصحفيا ومعدّا للبرامج في قناة الجزيرة.