تيتانيك لبنان والموسيقى المصاحبة

27 ديسمبر 2020
الصورة
+ الخط -

في مقابلة مع صحيفة "لو فيغارو" الفرنسية، شبّه وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، الانهيار السياسي والاقتصادي في لبنان بغرق السفينة "تيتانيك" لكن من دون موسيقى، قائلاً "لبنان هو (تيتانيك) من دون الأوركسترا .. اللبنانيون في حالة إنكار تام وهم يغرقون، ولا توجد حتى الموسيقى". تصريح الوزير الفرنسي قصد وصف الوضع الاقتصادي اللبناني المنهار، والتعثر المستمر في تشكيل الحكومة الجديدة، والتي من المفترض أن تكون حكومة إنقاذ، غير أنها لم تر النور إلى اليوم.

التشبيه الفرنسي فيه كثير من الدقة، لكن الواقع أن هناك موسيقى مصاحبة لمشهد الغرق. موسيقى قد لا تكون على ذلك القدر من الرومانسية التي رافقت غرق تيتانيك، كما أظهر الفيلم الشهير. هي موسيقى من نوع آخر، لها أبعاد كثيرة لا علاقة لها بالذوق الرفيع، فالعزف قائم على أنغام الفساد والمحاصصات ونسج الأوهام. وللأسف، وعلى عكس ما يرى الوزير الفرنسي، فإن لا حالة إنكار بين اللبنانيين، مسؤولين ومواطنين، لهذا الواقع، لكن التعاطي معه هو الذي يختلف، فهناك من يرقص على موسيقى هذا الإنكار محققاً المكاسب، منتظراً اللحظة المناسبة للقفز إلى مراكب النجاة للعبور إلى بر الأمان، بينما آخرون يصارعون البقاء مدركين أن النهاية قد لا تكون بعيدة، والوصول إلى القاع سيكون أسرع من المتوقع.

موسيقى المحاصصة تبقى دائماً الطاغية على مشهد الغرق اللبناني، إذ لم تفلح كل المحاولات، الداخلية والخارجية، في خفض النغمات، ولم تنجح التهديدات بالعقوبات في دفع المسؤولين السياسيين الطائفيين في التخلي عن هذه المعزوفات، بل ازدادوا بها تمسكاً. فالمحاولة الأخيرة لتشكيل الحكومة التي حدثت عشية عيد الميلاد، وفي ظل مشهد الانهيار العام ووصول سعر صرف الدولار مقابل الليرة اللبنانية إلى ما فوق الثمانية آلاف، كشفت أن لا صوت يعلو فوق صوت الحصص السياسية الطائفية، حتى لو كان الأمر على حساب اندثار البلد وإشهار إفلاسه رسمياً. 

فغالبية أفراد الطبقة السياسية، بدعم من رجال الاقتصاد في البلد، مستفيدون إلى حد كبير من الوضع الاقتصادي الحالي، والفارق الهائل بين سعر صرف الدولار رسمياً، والبالغ 1500 ليرة، وسعره في السوق السوداء الذي وصل إلى نحو 8500 ليرة. هذا الفارق بالنسبة للقادرين على الحصول على دولارات من الخارج، وهم الغالبية العظمى من السياسيين ورجال الاقتصاد، قادر على توفير كم هائل من النفقات الداخلية، سواء بالنسبة للأجور أو الإنتاج المحلي. وبالتالي فإن بقاء الوضع الاقتصادي الحالي أطول فترة ممكنة يزيد أصحاب رؤوس الأموال غنى، بينما أضراره لا تطاول إلا الطبقات الفقيرة والوسطى، والتي تزداد فقراً.

في هذه الأثناء، يعزف هؤلاء على الشعب نغمة الوهم، مصورين أن الخلاص سيكون بتشكيل "حكومة الإنقاذ" هذه، وأن تعسر ولادتها حالياً، لن يمنع عودة الأمور إلى ما كانت عليه بعد حل مشكلات التشكيل قريباً. وبغض النظر عن هذه الـ"قريباً"، وما إذا كانت حقاً قريبة، فإن بيع الوهم الأساسي هو في اعتبار أن الحكومة، وبسبب حصولها على الدعم الدولي، ستكون بمثابة عصا سحرية، وبمجرد تشكيلها فإن الانتعاش سيدبّ في الاقتصاد اللبناني من جديد، والأمور ستعود تدريجياً إلى سابق عهدها، وهو ما يصدقه الكثير من أبناء هذا الشعب المطحون اقتصادياً، لكنه بالتأكيد لن يكون صحيحاً. فنظرة أولى إلى "برنامج الإنقاذ" المرتقب تُظهر أنه سيكون باللجوء إلى صندوق النقد والبنك الدوليين، واللذين لن يقدما إلى لبنان أي قرش من دون شروط مسبقة، أولها رفع الدعم عن الكثير من السلع، الأمر الذي سينعكس مزيداً من الانهيار للوضع المعيشي للمواطنين في البلد. هذا بالأساس إذا صادقت هاتان المؤسستان الدوليتان على منح قروض للبنان، في ظل غياب أي مؤشر للقدرة على استرداد هذه القروض.

معطيات تشير إلى أن غرق البلاد محتوم، لكن هناك موسيقى ستظل صادحة بأشكال مختلفة.