تونس وصندوق النقد الدولي: طوق النجاة

تونس وصندوق النقد الدولي: طوق النجاة

03 مايو 2021
الصورة
+ الخط -

يبدأ وفد حكومي تونسي رفيع، يرأسه وزير الاقتصاد والمالية والاستثمار، اليوم الاثنين زيارة واشنطن، للقاء كبار مسؤولي صندوق النقد الدولي، ومسؤولين أميركيين رفيعي المستوى، بهدف إقناعهم باستئناف الدعم التمويلي لبلاده. ويعوّل الوفد التونسي على الزيارة كثيرا، آملا أن تُفضي إلى استئناف المفاوضات مع الصندوق، والتي توقفت قبل سنتين، لغياب الاستقرار الحكومي، وعدم التزام الحكومات التونسية التي تعاقبت بتنفيذ حزمة تعهداتٍ التزمت بها. لذا يبدو الصندوق غير متحمّس لإقراض البلاد، في ظل تلك التحفظات، خصوصا في مسائل يراها ضرورية، ولا تحتاج مزيدا من التردّد أو التأجيل، على غرار تفكيك الدعم على المواد الغذائية والمحروقات، والضغط على كتلة الأجور وحوكمة المؤسسات العمومية، وترشيد الإنفاق العمومي. وعلى الرغم من تأكيد رئيسته، كريستين لاغارد، أن تونس "شريك موثوق به"، فإن شكوك الصندوق تفاقمت في ظل عدم الاستقرار السياسي، وضعف الدولة العاجزة عن فرض قراراتها وخياراتها، حتى البسيطة منها (فرض الحجر الصحي، تعيينات مسؤولين كبار..) وذلك ما دفعه، هذه المرّة، إلى اشتراط أن يكون أي اتفاق مسبوقا بعقد ميثاق اجتماعي بين الحكومة وشركائها الاجتماعيين، ولعل أهم هؤلاء الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الأعراف. لهذا ثمة شك في أن تفضي زيارة واشنطن إلى الالتزام ببدء المفاوضات قريبا. أما سمعة الصندوق لدى أوساط الرأي العام فليست على ما يرام، إذ لا يستحضر التونسيون من تدخلاته الكثيرة سوى ما حدث سنة 1986، وبرنامج الإصلاحات الهيكلية التي رافقها وباركها، وقد أنجز معظمها في عهد بن علي، وأدّت إلى خصخصة مؤسسات عمومية وبيعها إلى المتنفذين من أقاربه وأصهاره. أما بعد الثورة، فقد استفادت تونس من قروض مالية مختلفة، حسب مبالغها وآجال تسديدها وأغراضها.. إلخ.

يحرص صندوق النقد، على الرغم من أن مهامه تقنية ومالية، على أن يكون المناخ السياسي في تونس متسما بالتوافق والاستقرار الحكومي

تأتي زيارة الوفد التونسي الرفيع واشنطن بعد ترتيبات شاقّة، لتُجرى في مناخٍ متوتر سياسيا، إذ يعلم صندوق النقد الدولي أن القطيعة بائنة بين الرجل ورئيس الجمهورية، فضلا عن توتر حاد بين الأخير ورئيس البرلمان، على خلفية معارك الصلاحيات والموقف من المحكمة الدستورية.. إلخ. لذا يحرص الصندوق، على الرغم من أن مهامه تقنية ومالية، على أن يكون المناخ السياسي متسما بالتوافق والاستقرار الحكومي. والحكومة التونسية تطرُق بابه واقتصاد البلاد في وضعية حرجة، فهي مطالبة بسد العجز القياسي للميزانية بتعبئة 18.5 مليار دينار الوارد ضمن ميزانية 2021، وبتقديم خريطة طريق واضحة، تتضمن حزمة اقتصادية واجتماعية، والشروع في إجراءات "جراحية" موجعة، قد تفضي إلى اهتزازات اجتماعية عميقة، شأن تخفيف الإنفاق العمومي وتجميد الأجور والحدّ من التوظيف في القطاع العام.
في هذا السياق الاستثنائي، تُحبس أنفاس التونسيين، خصوصا في ظل سؤال/ احتمال ضمني: ماذا لو فشلت الزيارة، ولم يصل الطرفان إلى اتفاقٍ يعلم الجميع أنه، على الرغم من إكراهاته، يظل بوابة ولوج أسواق التمويل الدولية التي قد تجنّب تونس مخاطر كبرى، تترصد بالبلاد خلال الأشهر القليلة المقبلة، ما يجعلها في وضعيةٍ شبيهةٍ بالوضع اللبناني. وعن هذه الفرضية، يقول بعضهم إن إمكانية خروج تونس إلى السوق المالية ممكنة، على الرغم من أن التصنيف الائتماني الذي أنجزته، أخيرا، أكثر من وكالة ("موديز" صنفت تونس في مارس/آذار الفارط ضمن مرتبة 3 مع نظرة مستقبلية سلبية)، يجعل المهمة شبه مستحيلة، حيث كان التصنيف بمثابة الإنذار الأخير قبل حلول الكارثة، وهو الذي انتبهت إليه المؤسسات المموّلة قبل الحكومة.

ما زال بعضهم يؤمن بأن لعن الحكومات المتعاقبة وصندوق النقد باعتباره مؤامرة ليبرالية متوحشّة كفيل بالحل

ومع ذلك، يود طيفٌ واسعٌ من النخب التونسية، ذات الميول اليسارية، أن تفشل المفاوضات، حتى يتم فكّ الارتباط مع صندوقٍ يشيطنونه، ولا يرون فيه سوى جبروتٍ مالي يحكم بأمره. كما يعوّل هؤلاء أيضا على فشل الزيارة، حتى تتفاقم الأزمة الاقتصادية، فتؤجّج احتجاجات عارمة ستنسف منظومة الحكم، حسب توقعاتهم. ومع ذلك، لنتذكّر، نحن التونسيين، أن الصندوق لم يطرق بابنا، بل نحن الذين دعوناه، حين تحاشتنا المنظمات المالية المانحة، وأغلقت أبوابها في وجوهنا تقريبا. وإذا رقّ حال بعضهم لبلادهم و"آلمهم وضعها"، فليعمدوا، عوض اللطميات الساذجة والعنتريات الحمراء، إلى استحضار الحقائق التي أوصلت تونس إلى هذا الحال البائس، لعل أهمها تبخيس قيمة العمل، فلا شيء سوى العمل ينتج الثروة، من دون أن تُنسى المطالب التي لم تراع إمكانية البلاد. والحال أن الأولوية كان يفترض أن تمنح لتشغيل مليون عاطل عن العمل. يحدُث هذا كله في مناخ غير مسبوق من الإضرابات، وشل حركة الإنتاج بعشوائية. ما خسرته تونس خلال هذه العشرية، جرّاء تعطيل الإنتاج في الحوض المنجمي، ومناطق إنتاج النفط في الجنوب التونسي، كفيلٌ بتجنيب البلاد، إلى حد كبير، هذه الوضعية التي لا تُحسد عليها. آنذاك فقط لن تحتاج تونس صندوق النقد الدولي، أو غيره من المنظمات المانحة. ولن يوضع بلد الانتقال الديمقراطي وشمعة الربيع العربي الصامدة في مواقف "مذلّة". ومع ذلك، ما زال بعضهم يؤمن بأن لعن الحكومات المتعاقبة وصندوق النقد باعتباره مؤامرة ليبرالية متوحشّة كفيل بالحل.