تونس وجدل التعديل الوزاري

21 يناير 2021
الصورة

المشيشي في مراسم تسلمه رئاسة الحكومة التونسية في قصر قرطاج (3/9/2020/الأناضول)

+ الخط -

أنهى رئيس الحكومة التونسية هشام المشيشي جدلا في الساحة السياسية بشأن جدوى إجراء تحوير (تعديل) وزاري بعيد أربعة أشهر فقط على تشكيل الحكومة. وقد تزامن جدل التعديل مع جدل آخر بشأن ضرورة حوار وطني يرسم ملامح حلول للأزمات المتفاقمة التي تواجهها البلاد على جميع الأصعدة. حوار وطني دعا إليه الاتحاد العام التونسي للشغل، وعرضه على رئيس الجمهورية قيس سعيد. ويبدو واضحا أن التحوير الوزاري المنجز عكس التفافا على الحوار الوطني الذي كان من المفترض أن يصيغ هيكلة الحكومة وبرنامجها وتوجهاتها الكبرى. إذ وضع المشيشي حدّا للجدل القائم بإعلانه (16 يناير/ كانون الثاني 2021) تحويرا وزاريا شمل 11 حقيبة (ثلث الحكومة تقريبا) في انتظار أن يحدّد مكتب مجلس نواب الشعب موعدا للتصويت عليها. وقال إن حكومته واجهت منذ ميلادها صعوبات وتحديات عديدة عمل خلالها الفريق الحكومي بكل إخلاص، لافتا إلى أن المرحلة المقبلة مليئة بالتحدّيات، من أهمها الانطلاق في الإصلاحات الاقتصادية الضرورية، وتعزيز مفهوم العدالة الاجتماعية والتنمية المتضامنة بين الجهات، ما استوجب تحويرا وزاريا يحافظ على فلسفة الحكومة بما هي حكومة مستقلة، مدعومة من حزام سياسي وبرلماني، ومتفاعلة مع كامل الأحزاب والمنظمات.

رأى حزب التيار الديمقراطي أن التعديل الوزاري جعل من الحكومة التي انطلقت مستقلة حكومة سياسية متخفية

في ميزان السياسيين ونواب الشعب وقادة الأحزاب والنخب، تباينت المواقف الأولية من التعديل الوزاري الذي اقترحه المشيشي، وتعدّدت الأسئلة بشأن أسبابه الخفية، ومدى قدرته على جعل الحكومة الجديدة قادرة على مجابهة التحدّيات، وتجاوز الصعوبات الاجتماعية والاقتصادية وتداعيات جائحة كورونا على المديين، القريب والمتوسط. هناك من رأى أن هذا التعديل كان مستوجبا في سياق ضرورة الرفع من أداء الحكومة لمواجهة التحدّيات والانتظارات عالية السقف. وقد مكّن من تشكيل فريق حكومي منسجم، كما مكّن رئيسها من أن يصبح رئيسا فعليا لحكومته، بخروجه من جلباب رئيس الجمهورية قيس سعيد وخانة الوزير الأول، وذلك بإبعاد الوزراء المحسوبين على رئاسة الجمهورية، وهم خصوصا وزير الداخلية والعدل وأملاك الدولة. علاوة على سد الشغور في وزارتي الثقافة والشؤون المحلية، وإعادة وزارة التكوين المهني والتشغيل، بعد حذفها في حكومته الأولى.
والملاحظ أن تأكيد المشيشي على استقلالية الحكومة في تركيبتها الجديدة أثار بدوره ردود فعل تفند هذا التأكيد، فقد رأى حزب التيار الديمقراطي مثلا أن التعديل الوزاري جعل من الحكومة التي انطلقت مستقلة حكومة سياسية متخفية، ذلك "أن أغلب الأسماء قريبة من الكتل الداعمة للحكومة، وبدرجة أولى من حركة النهضة وقلب تونس وكذلك تحيا تونس وكتلة الإصلاح". كما رأت حركة الشعب أن المشيشي أثبت خوضه حربا بالوكالة عن رئيس البرلمان وحركة النهضة راشد الغنوشي ضد رئيس الجمهورية، واختار لنفسه اصطفافا آخر، ما سيضع الرئاسات الثلاث في صراعٍ، لا يمكن معه التطلع إلى الاستجابة للانتظارات الشعبية. ومن المؤاخذات أيضا إقصاء العنصر النسائي، وهو موقف كبرى المنظمات الوطنية ومكونات المجتمع المدني وناشطي وسائل التواصل الاجتماعي، إذ لم يشتمل التعديل على أي شخصية نسائية، فضلا عن حذف الوزارة المكلفة بالعلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني، والتي كانت تشغلها القاضية ثريا الجريبي. وقد اكتفى الرئيس قيس سعيد، في لقائه بالمشيشي، قبل إعلان التحوير، بالتأكيد على ضرورة عدم الخضوع لأيٍّ من أشكال الابتزاز والمقايضة، مذكّرا بضرورة ألا يرتقي الشك إلى نزاهة أعضاء الحكومة.

مأمول أن يقف تيار المناكفات والاتهامات والصراعات داخل البرلمان وفي المشهد السياسي العام

ويمكن القول إن المشيشي اختار أن يعدو وحيدا في مضمار تحدّيات المرحلة واستحقاقاتها، فقد قطع مبدئيا مع تجاذبات أحدثتها اختيارات الحكومة في التشكيل السابق بين وزراء عينهم رئيس الحكومة وآخرين من تعيين رئيس الجمهورية ومحيطه القريب، وحول ما أشيع خاصة من تدخل رئيسة ديوانه نادية عكاشة. كما أنهى جدلا بشأن الذين تصوروا هذا التحوير غاية في حد ذاته، وليس وسيلة لإكساب العمل الحكومي النجاعة المطلوبة. وأنهى المشيشي ما أشيع عن ابتزازات عديدة مورست عليه من الأحزاب الوازنة في البرلمان، بغية الظفر بحصة لها من غنيمة الحكومة، إذ ابتعد التحوير بشكل ظاهر عن ملامح الانتماءات الحزبية المباشرة والمعلنة. كما لم تعرف للوزراء الجدد مسؤوليات حزبية بارزة، أو انتماءات لمواقع قيادية من الصف الأول لأحزابٍ بعينها، ليبقى الامتحان الأكبر الذي ستواجهه الحكومة الجديدة إيجاد حلول لحزمة الإصلاحات المطلوبة، والانطلاق عمليا في الإنقاذ الوطني للبلاد التي لم تعد تحتمل التأجيل، فقد فجرت الذكرى العاشرة للثورة غضبا اجتماعيا كبيرا بفعل تفاقم الفقر والتهميش والبطالة وغياب التنمية لتطفو من جديد المطالب الاجتماعية التي رفعت إبّان الثورة، في سياقات صعبة زادتها تداعيات أزمة كورونا حدة وعمقا.
المنتظر إذن أن تمضي الحكومة فورا إلى إطلاق الخطط والبرامج المبتكرة التي قد تفضي إلى تحقيق الأهداف المنشودة بأخف الأضرار وأقل التضحيات. وقد يكون ذلك ما جعل المشيشي يتجه الى تشبيب أعضاء حكومته، والتعويل على كفاءات شبابية مشهود لها بالنجاعة. بقي أن يلتف الجميع حول الحكومة الجديدة، وأن يقف تيار المناكفات والاتهامات والصراعات داخل البرلمان وفي المشهد السياسي العام، بما يحقق المنشود من هذا التحوير، ويغني عن حوار وطني لم تتهيأ أسبابه بعد.

35FE487F-4A9A-4B25-8DF9-AF430105714E
محمد أحمد القابسي