تونس وتصحيح المسار

تونس وتصحيح المسار

19 ديسمبر 2021

تونسيون يتظاهرون ضد قرارات سعيّد في شارع الحبيب بورقيبة في العاصمة تونس (17/11/2021/Getty)

+ الخط -

ما تشهده تونس حالياً من تصاعد الاحتجاجات على قرارات الرئيس قيس سعيّد واحتكاره السلطة يؤشّر إلى مرحلة جديدة من الثورة التونسية التي مرت أول من أمس ذكرى انطلاقتها، وهي التي كانت الشرارة التي انتقلت بعد ذلك إلى عدة دول عربية. مرحلة تونسية لا تزال في بدايتها، غير أنها من الممكن أن تكون عاملاً مؤثراً في غيرها من الدول العربية التي تعيش فصلاً مشابهاً من فصول خسارة المكاسب التي تحققت خلال فترة الثورات، فبعدما كانت تونس تمثل نموذجاً ناجحاً، إلى حد ما، للثورات العربية، بعد تمكّنها من المضي في مسار ديمقراطي تخلّله تداول سلمي للسلطة، ها هي حالياً تعود إلى مسار الانتكاسات التي لحقت بدول الثورات، غير أن الفارق في تونس هو عدم التسليم بالأمر الواقع الذي يريده سعيّد، وبكل الإجراءات التي وضعها للتفرد في السلطة، في خطوة أعادت للأذهان مرحلة حكم الرئيس التونسي الراحل زين العابدين بن علي.

الإجراءات التي أعلنها سعيّد حظيت في بدايتها، أي في الخامس والعشرين من يوليو/ تموز، على تأييد شعبي، خصوصاً في مرحلة تخبط سياسي كانت تعيشها الساحة التونسية بسبب تضارب الصلاحيات بين الرئاسة والحكومة والبرلمان، وهو ما انعكس توتراً في الشارع، إضافة إلى التدهور الاقتصادي. على هذا الأساس، رأى تونسيون كثيرون في قرارات سعيّد فرصة إنقاذية. لكن مع الوقت، بات هذا "الإنقاذ" أو الإصلاح كابوساً على التجربة الديمقراطية التونسية، بعدما تحوّل سعيّد الذي لا ينحدر من أي خلفية سياسية إلى الحاكم المطلق وبدأ يصدر الفرمانات الإقصائية لكل الأطراف السياسية الموجودة على الساحة التونسية، تمهيداً للتفرّد بالسلطة وتعديل الدستور بما يتناسب مع النظام الرئاسي الذي يريده. هذه الإجراءات أعادت تونسيين كثيرين إلى ناصية الصواب، وبدأ الوعي الفعلي بأن ما يقوم به الرئيس ليس إنقاذاً، بل تدميراً لكامل المكاسب التي حققتها تونس في فترة السنوات العشر الماضية.

ووفق هذه المعطيات، انفضّ غالبية التونسيين من حول قيس سعيّد، وهو ما بدأ يتجلى في تصاعد وتيرة الاحتجاجات، وصولاً إلى الاعتصام المفتوح الذي أعلنته مبادرة "مواطنون ضد الانقلاب" أول من أمس. وعلى الرغم من أهمية هذه التحركات والاحتجاجات، غير أنها لا بد أن تكون مترافقة مع ائتلاف سياسي حقيقي يتجاهل الاختلافات في الرؤى لهدف أساسي، هو مواجهة ما يمثله سعيّد من خطر على الديمقراطية، وعلى كل الحركات السياسية التي انتعشت بعد الثورة، من دون استثناء. ائتلاف كهذا لم يظهر كاملاً بعد، رغم محاولاتٍ عديدة، وهو ما يعطي سعيّد فرصة إضافية للتغوّل في الحكم.

واللافت أن مثل هذا التغوّل لم يعد حكراً على المستوى السياسي، بل انتقل إلى الأمني أيضاً، وهو ما انعكس في الاعتداء على المعتصمين في شارع الحبيب بورقيبة، ما يعني إعادة فرض الدولة الأمنية التي كان يمثلها زين العابدين بن علي، الأمر الذي يستدعي تسريعاً في الحراك السياسي وتوسيع المشاركات الشعبية، كمّاً ونوعاً، في مواجهة "حكم الفرد".

الحراك التصاعدي التونسي لا يزال في بدايته، ونجاحه يعتمد على معطيات سياسية واجتماعية عديدة، إضافة إلى المواقف العربية والدولية المعنية بالإبقاء على النجاح النسبي للتجربة التونسية. وقد يكون من السابق لأوانه التنبؤ بما يمكن أن تحمله الأيام أو الشهور المقبلة بالنسبة إلى الحراك الجديد في تونس، غير أنه لا يمكن استبعاد أن يكون نجاحه فرصة جديدة لاستعادة مسار الثورات العربية، أو تحريك بعض المياه الراكدة، في الدول التي شهدت ثوراتها انتكاسات. فكما كانت تونس شرارة الثورات، قد تكون شرارة تصحيح المسار.