تونس والاحتجاجات .. ما كل مرّة تسلم الجرّة

25 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

هل لدينا، نحن النخب العلمية أو السياسية التونسية، إجابة جاهزة عما حدث في بلدنا خلال الأيام القليلة الماضية؟ لا أعتقد أن لدينا إجابات نهائية وعميقة، تجيب عن عشرات الأسئلة التي تتناسل من بعضها بعضا: كيف يمكن أن نصف ما حدث؟ ما أسبابه؟ ما السياقات الأخيرة التي احتضنتها؟ ما ملامح المحتجين؟ أي تداعيات لهذا على مسار الانتقال الديمقراطي؟ ما أفق هذه التحركات وإلى أين تسير الأمور؟ تتعاظم العوائق التي تحول دون تقديم إجابات واضحة، حينما نستحضر شحّ المعلومات عن التحرّكات وصراع التأويلات الذي ينخره التوظيف السياسي، حتى ولو كان على حساب الحقيقة، فباستثناء ما ورد من أرقام قدّمتها وزارة الداخلية وبعض تغطيات إعلامية مباشرة نقلت بعض فصول ما حدث في تلك الأحياء المهمشة، أو ما ورد من حوارات أجريت مع بعض المختصين، لا نجد مادة كافية لبلورة أفكار متماسكة عما حدث. ومع ذلك، ظلّت جملة من المعطيات بارزة، بإمكانها أن تقدّم، ولو فرضياتٍ من أجل صياغة مقاربة، ولو أولية، تسهم في بلورة مداخل لفهم ما حدث وتفكيك عوامله الملتبسة والمعقدة.
وبقطع النظر عن كل هذه النقائص، فإننا باتجاه حركةٍ احتجاجية دورية، ولا يمكن تسميتها بغير هذا. هناك من يحرص على التقليل من شأنها واختزالها في "أحداث" ومناوشات تمّت بين أطفال قصّر وأمنيين. وثمّة من يدفع بها إلى أقصاها، ليسميها انتفاضة أو ثورة ثانية. ولا أعتقد أن التسميتين تنطبقان على ما حدث انطباقا لا يبخس الوقائع، ولا يضخّمها أو ينفخ فيها. تستند هذه التحرّكات إلى ذاكرة احتجاجية تنتعش، فما أن يحل شهرا ديسمبر وجانفي (يناير) من كل سنة، حتى يتحوّلا إلى ما يشبه ثقبا أسود يجذب كل ما يحدث من حوله. كلنا نعلم أن تونس، منذ أكثر من نصف قرن، ظلت تعيش على إيقاع هذه الاحتجاجات نهاية كل سنة. يعبر التونسيون الأسابيع الأخيرة من السنة المنقضية، والمفضية، حال انقضائها، إلى سنة أخرى جديدة، على وقع هذا الاحتجاج دوما. كان بعض منها داميا وموجعا في أكثر من مناسبة. علينا ألا ننسى أيضا أن الثورة ذاتها اندلعت في مثل هذه الفترة، وهي التي يحتفل التونسيون بذكراها العاشرة هذه السنة في مناخ من الإحباط والخيبة، وضمن مناخات موت يحلّق على سمائهم. وهم يرون أن نظامهم الصحي الذي كانت تفاخر به البلاد على وشك الانهيار تحت مخالب كورونا.

تكرّرت الاحتجاجات خلال عشرية ما بعد الثورة، وظلت النخب تعتقد أن تلك الحشود الهادرة ستنسى وسيتم تدجينها، معوّلة على احتوائها بمختلف الأشكال

شكّلت ذاكرة الاحتجاج مناخا نفسيا جماعيا مواتيا لأن يذهب الشباب تحديدا، وهو مستعد، إلى الاحتجاج، على ما آلت إليه وضعيته ووضعية الفئات الاجتماعية الأكثر تضرّرا، بعيدا، هذه المرّة، في احتجاجه ذاك. لقد نزل إلى الشارع، وعبّر عن غضبه بأشكال مختلفة، طغا عليها هذه المرة العنف، وحتى التخريب، فنالت أعمالهم من الممتلكات العامة والخاصة، بل وسلامة الأمنيين. ومع ذلك، لم تستوعب النخب السياسية، الحاكمة والمعارضة، هذا الدرس، وقد تكرّرت الاحتجاجات خلال عشرية ما بعد الثورة، وظلت النخب تعتقد أن تلك الحشود الهادرة ستنسى وسيتم تدجينها، معوّلة على احتوائها بمختلف الأشكال.
ظلت الأسباب الموضوعية للاحتجاجات تتراكم، ولم يقع مطلقا تخفيض مؤشراتها: تفاقم البطالة، التسرّب المدرسي، الهجرة غير الشرعية، نسب الفقر، التفاوت الجهوي، غلاء المعيشة وتردّي الخدمات الاجتماعية، من دون أن تمنح النخب الحاكمة (وحتى المعارضة) لتلك الفئات المهمشة ما يجمّل لها صبرها على المكاره... الفئات المتضرّرة من هذه الإخفاقات توسّعت، وظلت تتحين الفرصة لتعبّر عن خيبتها، بل ونقمتها عن هذه النخب. هناك مجتمع خلفي، ظل، منذ سنوات، في قطيعةٍ معنا تماما، أو ربما لا نراه أصلا. مجتمع تخومي وليلي، وإذا تحرّك في النهار، ففي فضاءاتٍ لا نعرفها تقريبا، تتراوح من الغرف المغلقة والأماكن المنزوية والمساكن الخربة المهجورة في الأرياف والقرى. لهذه الفئات قيم وصور، وتمثلات أخرى مغايرة لهذا المجتمع المرئي الذي يضمنا نحن. يُبدع بعض من هؤلاء ثقافات تحتية صادمة، نستمع اليها في أغاني الراب وأهازيج الجماهير الرياضية، خصوصا مجموعات الألتراس، من يستمع إلى تلك الأغاني يقف على عمق الوجيعة التي تلازم هذا الشباب.
ما الذي قدح هذه التحرّكات، فالدراسات العلمية لا يمكن أن تتغافل عن هذا العامل/ القادح. لم تتخذ الحكومة أي قراراتٍ مفاجئة، ولم يستجد حدث كبير، ظاهريا على الأقل، فيه استفزاز للناس. ومع ذلك، أذهب إلى أن الأيام التي سبقت التحركات كانت قد شهدت "قادحا مزدوجا" لا تخلو دلالاته من إهانة وإذلال: الصور التي نشرت على مواقع التواصل لقوات الأمن، وهي "تركّع" مئات الشباب من مناصري النادي الإفريقي، كما يجري في المحتشدات الأكثر بطشا. كانت الصور صادمة، وخلنا أننا قطعنا معها بشكل نهائي. كما أن صورة الأمني الذي يعتدي ضربا وركلا على راعٍ، بذريعة أن أغنامه مرّت من أمام سيارة الوالي (المحافظ) كانت مستفزة. ما زلنا نتجاهل هذه الأداة السحرية للتعبئة، أي شبكات التواصل الاجتماعية، وأثرها الكبير في حشود مستنفرة بطبعها.

خيط رفيع بين الشعبوية التي تحث على رفض المؤسسات والتخلص من الهياكل الوسيطة والنخب وما وقع، وهي تدعو إلى تبنّي أشكال مباشرة للفعل، على اعتباره صوت الشعب

ومع كل ما حدث، لن تكون هذه التحرّكات منتجةً أيا من أشكال التغيير، لأنها كانت تفتقد ناطقين باسمها، يفاوضون تحت خيمتها، فضلا عن غموض مطالبها وعنفها، الكسيح أحيانا، الفاقد أي مشروعية، في ظل عجزها عن صياغة أفق مطلبي. مع ذلك، شكلت هذه الاحتجاجات جرسا يقرع لجميع النخب والسلطات في البلاد. لا علاقة لهذا الشباب بسردية الثورة. إنها لا تعنيه، ولم يكن قد ساهم فيها (كان متوسط أعمارهم آنذاك، أي لما اندلعت الثورة بين 5 و10 سنوات)، ولا جاذبية لها عندهم، فهم غير معنيين بالمحافظة عليها أو مساءلتها، أو حتى انتظار أن تمنحهم شيئا. فتحوا أعينهم على كل ما هو سيئ في التونسيين: صراع ديكة لا ينتهي بين الأحزاب والزعامات، عنف معمّم، مطلبية قطاعوية مقزّزة تغفل الأحقية في حد أدنى من الحياة الكريمة، خطاب فساد يتضخم، إعلام جله أقرب إلى أحاديث مقاهٍ تافهة. هناك خيط رفيع بين الشعبوية التي تحث على رفض المؤسسات والتخلص من الهياكل الوسيطة والنخب وما وقع، وهي تدعو إلى تبني أشكال مباشرة للفعل، على اعتباره صوت الشعب.
دفعت الأحداث إلى أقصاها من أطراف عددية، داخليا وإقليميا، من أجل إيجاد معادلة جديدة، إما تنهي التجربة أصلا أو تنهي المتصدّرين فيها حاليا. ومع ذلك، لا يمكن نفي موضوعية الأحداث. .. عنف هذه التحرّكات مرفوض، ولكن هذا الأمر يظل ثانويا في ظل تأخر إصلاح أجهزة الأمن وعقيدته، حتى يتم عقد مصالحة تاريخية بين الأمنيين والتونسيين. كانت صورة الأمني قد تعافت كثيرا، وهم الذين تصدّوا للإرهاب، غير أن زجّهم في أتون مواجهة هذه الفئات، فضلا عن ممارساتهم التي لا تخلو من تجاوزات، ستعيدنا إلى مربع أول، يلغي مكاسب الدستور على أرض الواقع. .. ما كل مرّة تسلم الجرّة.