تونس ما بعد 25 يوليو .. اتجاهات الأزمة واحتمالاتها

تونس ما بعد 25 يوليو .. اتجاهات الأزمة واحتمالاتها

16 اغسطس 2021
الصورة

قيس سعيد يستقبل في قصر قرطاج وزير الخارجية المصري سامح شكري (3/8/2021/الأناضول)

+ الخط -

بعد مرور ثلاثة أسابيع على انقلابه على الدستور، يواصل الرئيس التونسي، قيس سعيّد، إجراءاته الهادفة إلى تغيير طبيعة النظام السياسي، والتي بدأها ليلة 25 تموز/ يوليو 2021، وقام خلالها بعزل رئيس الحكومة، وتولي السلطة التنفيذية، ورئاسة النيابة العامة، وتجميد عمل البرلمان ورفع الحصانة عن النواب. وتثير الإجراءات المتتالية التي يتّخذها الرئيس، في غياب الحكومة والبرلمان ومحكمة دستورية عليا، تخوّفات كبيرة حول طبيعة المرحلة المقبلة، ومستقبل المسار الديمقراطي في تونس، ومصير الإنجازات التي تحققت خلال العقد الماضي. 
فراغ مؤسساتي 
أعلن الرئيس قيس سعيّد أن "الإجراءات الاستثنائية" التي اتخذها في 25 تموز/ يوليو 2021 ستتلوها إجراءاتٌ فورية؛ أهمها تسمية رئيس جديد للحكومة يعمل تحت إشراف رئيس الدولة. وعلى الرغم من انقضاء ثلاثة أسابيع لم يعين سعيّد، حتى الآن، رئيسًا جديدًا للحكومة، بل تصرّف كأنه رئيس الحكومة أيضًا؛ فقد أصدر أوامر رئاسية، غير مسبوقة، بتسمية مكلفين بتسيير وزارات الداخلية والصحة والعدل؛ إذ من المفترض أن تسبق تسمية رئيس الحكومة تسمية أعضاء فريقه الحكومي. وعلى الرغم من وصف الأعضاء الجدد بـ "المكلفين بتسيير الوزارات"، وهي صفة تطلق، عادة، على الوزراء المباشرين الذين يكلّفون بتسيير وزارات أخرى إضافة إلى وزاراتهم الأصلية، في حال حصول شغور طارئ، ولمدة محدودة إلى حين تكليف وزراء جدد، فقد دُعي هؤلاء "المكلّفون بتسيير الوزارات" إلى أداء اليمين، في خطوةٍ عدّها بعض الخبراء الدستوريين تجاوزًا آخر للدستور في مادته الـ 89 التي تنص على أن اليمين الدستورية يؤدّيها رئيس الحكومة وأعضاؤها (الوزراء وكتّاب الدولة) لا "المكلفون بتسيير الوزارات".
ويشير التأخير الحاصل في تسمية رئيس الحكومة وفريقه إلى الصعوبات التي تعترض سعيّد في اختيار شخصيةٍ تقبل تولي المنصب في سياق سياسي واقتصادي واجتماعي صعب، وتكتفي بدور رئيس وزراء لدى رئيسٍ يعلن، صراحةً، نيته الهيمنة على كل السلطات. ويضاعف غياب خريطة طريق واضحة للخروج من المأزق السياسي الراهن من تداعيات الفراغ الإداري والحكومي؛ حيث تشهد مختلف الوزارات والقطاعات حالة ترقّب وعطالة، خصوصا بعد عزل عدد من الولاة، والظهور المتكرّر للرئيس وهو يؤنّب، بطريقة استعراضية، المسؤولين، ويحمّلهم وزر المصاعب التي تمرّ بها البلاد، ويتهمهم بالفساد و"التنكيل بالشعب"، ويطالبهم بمراعاة ظروف المواطنين وتخفيض أسعار المواد التموينية والأدوية وخدمات الكهرباء والماء والمستلزمات المدرسية ونسب الفائدة البنكية، من دون أن يطرح، وقد غدا صاحب السلطة الرئيس في البلد، سياساتٍ أو حلولًا عملية وواقعية، تأخذ في الاعتبار التشريعات المعمول بها، وحسابات التكلفة والإنتاج ومعادلات السوق وأسعار الصرف ورصيد البلاد من العملات الصعبة وأبواب ميزانية الدولة، وحال العجز التي تمر بها جلّ المؤسسات العامة.

يبدو أن الرئيس التونسي يعوّل، وفق ما أعلنه بنفسه، على وعود دول خليجية بضخّ مساعداتٍ مالية في الاقتصاد التونسي للخروج من الأزمة الحالية

يضاف إلى ذلك الضبابية التي تكتنف التزامات الدولة التونسية تجاه المقرضين والمانحين الدوليين، في ظل حاجة الموازنة العامة إلى توفير 6.7 مليارات دولار (18.6 مليار دينار تونسي بأسعار الصرف الحالية) لمعالجة العجز المسجّل فيها، علاوة على 5.6 مليارات دولار لخدمة الدين، بينها 3.6 مليارات دولار بالنقد الأجنبي، وضرورة الاستعداد لجولات جديدة من التفاوض مع صندوق النقد الدولي، للحصول على قروض مقابل الالتزام بتنفيذ وصفةٍ من الإصلاحات الاقتصادية؛ منها الرفع التدريجي للدعم على السلع التموينية والمحروقات والكهرباء والماء وتخفيض كتلة الأجور بالقطاع العام، وسط تحذيرات من خفض تصنيف تونس الائتماني مجددًا.
ويبدو أن الرئيس يعوّل، وفق ما أعلنه بنفسه، على وعود دول خليجية بضخّ مساعداتٍ مالية في الاقتصاد التونسي للخروج من الأزمة الحالية، إلا أن هذه الوعود لم تثمر حتى الآن أي التزامات فعلية. وقد بيّنت التجربة أن الدعم الاقتصادي في مثل هذه الحالات من بعض دول الخليج يخضع لأجندات سياسية، متعلقة برفض النموذج الديمقراطي في المنطقة العربية.
مكافحة الفساد: وعود في انتظار التنفيذ
دأب الرئيس سعيد، قبل 25 تموز/ يوليو وبعده، على استهداف من يصفهم بـ "الفاسدين" و"اللصوص" و"مصاصي دماء الشعب"، وهي عبارة عن تشهير عام لا يجوز أن يلقيه رئيس دولة جزافًا. فمكان محاربة الفساد هو المحاكم، وليس الخطابات الحماسية. ولكن هذا القدح والذم المتواصل يأتي في إطار خطاب شعبوي هدفه استمالة الجماهير الغاضبة وتحضيرها نفسيًا لكي تتقبل قمع الخصوم السياسيين، وربما النظام البرلماني عمومًا. وقد استندت معظم مبرراته للإجراءات التي اتخذها إلى رغبته في "تفكيك منظومة الفساد ومحاسبة الفاسدين ورفع الغطاء عنهم"؛ بمن فيهم مسؤولون حكوميون وقضاة ورجال أعمال وأعضاء في البرلمان. وحال إعلان سعيد عزل رئيس الحكومة وتجميد عمل البرلمان ومنح نفسه صلاحيات تنفيذية وتشريعية وقضائية مطلقة، امتلأت صفحات تواصل اجتماعي مؤيدة لإجراءاته بمزاعم عن حملات اعتقال ودهم واسعة استهدفت مشتبهين بالفساد، ليتبين، فيما بعد، أن جلّها مثل التهم التشهيرية التي سبقتها، شائعات لا أساس لها، وأن الاعتقالات التي لحقت أعضاء في البرلمان استهدفت شخصيات كانت معروفة أصلًا بمعارضتها للرئيس سعيد، وتمت على خلفية تدوينات على شبكات التواصل الاجتماعي (مثل النائب ياسين العياري المعروف بمثابرته في محاربة الفساد) أو بناء على شكايات رفعتها جهات أمنية (نواب ائتلاف الكرامة)، ولا علاقة لها بالحرب على الفساد.

منظمات حقوقية أشارت إلى تجاوزات وأعمال تضييق شملت مدونين ووسائل إعلام؛ إذ أودع أكثر من مدون السجن على خلفية نشاطهم على شبكات التواصل الاجتماعي

وقد أفاد عدد من القضاة أن الجهات الأمنية منعت بعضهم من مغادرة البلاد وعطلت سفر آخرين، على الرغم من عدم وجود قرارات رسمية مكتوبة بهذا الشأن؛ ما أثار جدلًا حول قانونية هذا الإجراء الذي استهدف قطاعًا بأكمله، ومنع بموجبه القضاة، باعتبارهم مواطنين، من حقهم الدستوري في حرية الحركة والتنقل. ويزيد هذا من الخشية والتوجس لدى السلطة القضائية من دوافع هذه الإجراءات؛ إذ سبق لمجلس القضاء العدلي أن رفض قرار سعيد تولي رئاسة النيابة العامة، في حين أصدر 45 قاضيًا ومستشارًا بيانًا نددوا فيه بما وصفوه بـ "الإجراءات التعسفية" و"التعدي على سلطات القضاء والمحاكم".
وفي السياق ذاته، لم تسجل، حتى الآن، أي ملاحقات تذكر، على علاقة بملفات فساد في صفوف المسؤولين الذين دأب الرئيس على توجيه الاتهامات إليهم. وقد وضع وزير الاتصالات الأسبق، القيادي في حركة النهضة، أنور معروف قيد الإقامة الجبرية من دون الإفصاح عن أسباب اتخاذ هذا الإجراء غير القانوني في تونس، في حين تبين أن إيقاف 14 من المسؤولين السابقين المشتبه في صلتهم بملفات فساد في "شركة فسفاط قفصة"، والذي روّج له في صفحات مقربة من الرئيس على أنه جرى بأوامر رئاسية، قد تم بناء على شكاية تقدم بها النائب السابق رئيس "مرصد رقابة" لمكافحة الفساد، عماد الدائمي، منذ أشهر، ولا علاقة له بالإجراءات الرئاسية الأخيرة. 

الحريات وحقوق الإنسان: تعهدات تنتظر الوفاء بها
على الرغم من أن الرئيس سعيد، دأب منذ 25 تموز/ يوليو، على تأكيد حرصه على حماية الحقوق والحريات العامة، فإن منظمات حقوقية أشارت إلى تجاوزات وأعمال تضييق شملت مدونين ووسائل إعلام؛ إذ أودع أكثر من مدون السجن على خلفية نشاطهم على شبكات التواصل الاجتماعي، ومنعت فرق صحافية من العمل، وأغلقت مكاتب قنوات فضائية، وأعفي مسؤولون إعلاميون من مهماتهم، بينهم المدير العام للتلفزيون الرسمي. وقد لوحظ تغيّر في الخط التحريري للتلفزيون الحكومي والقنوات الخاصة، على حد سواء، بتخصيص مساحات واسعة من نشرات الأخبار والبرامج الحوارية لتغطية نشاطات الرئيس والإشادة بها كما هو سائد في الدول العربية السلطوية؛ ما يوحي بأنها تجري بتعليمات واضحة في هذا الاتجاه. ولوحظ أيضًا غياب شبه تام لرأي معارضي إجراءات الرئيس في المنابر الإعلامية المختلفة. وكان الرئيس سعيد وجّه، في وقت سابق، انتقادات إلى وسائل الإعلام على ما اعتبره تقصيرًا في منح نشاطاته أولوية في التغطية والمتابعة. وفي السياق ذاته، نبهت نقابة الصحافيين التونسيين إلى جملة من التجاوزات التي لحقت الفرق الصحافية، منذ 25 تموز/ يوليو 2021، وشملت اعتداءات بالعنف والضرب مارستها الشرطة، والمنع من العمل، وإغلاق مكاتب بعض المؤسسات الإعلامية من دون الاستناد إلى تكليف قضائي، داعية رئاسة الجمهورية إلى "احترام حق النفاذ إلى المعلومة وتسهيل حصول الصحفيين على المعلومة الدقيقة في حينها"، وإلى إلزام رجال الأمن بـ "قواعد احترام حرية العمل الصحفي وعدم التدخل في العمل الصحفي".

لم يتبق أمام الرئيس سوى أسبوع لتبديد الغموض بشأن مصير البرلمان الذي جمّدت صلاحياته لمدة شهر

اتجاهات الأزمة واحتمالاتها
بعد مرور ثلاثة أسابيع على إجراءات 25 تموز/ يوليو، ما زال الرئيس، الذي منح نفسه صلاحيات شبه مطلقة، لم يفصح بعد، عن أي خريطة طريق للمرحلة المقبلة، على الرغم من المطالبات الداخلية والخارجية المنادية بسرعة الخروج من الوضع الاستثنائي والعودة إلى المسار الدستوري. وتذهب معظم المؤشرات إلى أن الرئيس سعيد ماضٍ في مسعاه الرامي إلى طي صفحة السنوات العشر التي تلت ثورة 2011، من خلال تركيز جميع السلطات بين يديه، وإضعاف دور البرلمان والأحزاب والنقابات والسيطرة على المؤسستين العسكرية والأمنية. ويستعين الرئيس في توجهه هذا بالإحباط العام السائد من أداء القوى السياسية، خلال السنوات الأخيرة، ومن تدهور الأوضاع الاجتماعية والمعيشية، فضلًا عن ارتباك المعارضة وتشتتها وضعف أدائها والصراعات الداخلية التي تتفاقم داخل بعضها، على غرار حركة النهضة التي شهد موقفها مما حدث تذبذبًا بدءًا بوصفه بـ "الانقلاب"، وانتهى بالتراجع عن ذلك، والتعامل معه على أنه أمر واقع واجتهاد سياسي لمواجهة الواقع الصعب الذي تمر به البلاد، مع رسائل غير مباشرة تعد بحركة نقد ذاتي، وكأنها تتفق مع تقييم الرئيس في تحميلها الجزء الأكبر من المسؤولية عما حصل؛ ما يهدد وحدة الحركة وتماسك صفوفها. 
لم يتبق أمام الرئيس سوى أسبوع واحد لتبديد الغموض بشأن مصير البرلمان الذي جمدت صلاحياته لمدة شهر تنتهي في 24 آب/ أغسطس 2021. وعلى الرغم من قصر الحيز الزمني المتبقي، ما زال الرئيس يلتزم الصمت بهذا الشأن، باستثناء تأكيده المتكرر على أن الأمور "لن تعود إلى الوراء". إذا عاد البرلمان إلى العمل مع نهاية فترة التجميد، كما في السابق، وفق السلطات التي يخولها له الدستور، فسيمثل ذلك فشلًا لمشروع الرئيس الذي كرس حيزًا مهمًا منه للحط من قيمة البرلمان والديمقراطية التمثيلية برمتها. من جهة أخرى، لن يكون سهلًا على الرئيس إبقاء الحياة السياسية معطلة إلى ما لا نهاية، مع تنامي الضغوط الخارجية التي تطالبه بالحفاظ على المسار الديمقراطي، وتشكيك داخلي في شرعية أي حكومة لم تنل ثقة البرلمان وفي أي تشريعات صادرة عن الرئيس في شكل مراسيم وأوامر رئاسية. 

خاتمة
من المحتمل أن يسعى الرئيس خلال الفترة المقبلة إلى محاولة تغيير القانون الانتخابي، وتعديل الدستور بهدف التحول إلى نظام حكم رئاسي، وانتخاب المحكمة الدستورية بالصيغة التي يراها. ومع أن البعض يهيئ للرئيس أن الظروف مؤاتية لتمرير هذه التغييرات في ظل تعطيل البرلمان، والانقسامات بين القوى السياسية، والمزاج الشعبي الرافض للتجاذبات التي شهدها البرلمان طوال السنتين الأخيرتين، فإن ذلك قد يمثل قفزة في المجهول، خاصة أن الرئيس لا يعطي أي إشارات توحي بأنه يمتلك برنامجًا إصلاحيًا واضحًا أو رؤية تسمح بإخراج البلد من أزماتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وهي الأزمات التي اتخذها ذريعة للانقلاب على الدستور.
يحاول الرئيس حاليًا جمع الحلفاء وتفريق الخصوم، لكي يحرف المسار الديمقراطي في اتجاه نظام رئاسي لا يلبث أن يتحول إلى سلطوي؛ فهو لا يؤمن بالديمقراطية. ولا شك في أن لهذا الخيار حلفاء، ولكن ثمة نخبًا تونسية واسعة معارضة له، وثمة شعب اعتاد على الحرية. وسوف يحاول الرئيس ومن يدعمه مقايضة الحريات بحل الأزمة الاقتصادية. وهذه أيضًا مسألة غير مضمونة، وباختصار هذا صراع لم يحسم بعد.