تونس .. خطى متسارعة نحو الدكتاتورية

تونس .. خطى متسارعة نحو الدكتاتورية

24 سبتمبر 2021
الصورة
+ الخط -

منذ اللحظة الأولى لإعلان الرئيس التونسي، قيس سعيّد، بحضور قيادات عسكرية وأمنية، ما سمّاها "التدابير الاستثنائية" في 25 يوليو/ تموز الماضي، كان واضحاً لمن أراد عدم تجميل ما يجري أن تونس أمام انقلابٍ على الدستور والنظام السياسي. اختارت القوى السياسية الأبرز، بما في ذلك حركة النهضة، لو بعد أيام، من محاولة الضغط والمقاومة، فضلاً عن الاتحاد التونسي العام للشغل، مهادنة الرئيس، بسبب الإرباك الذي ساد المشهد، خصوصاً بعد ما مرّت به البلاد من أزماتٍ، تتحمّل جميع الأطراف السياسية جزءاً من المسؤولية عنها. لكن عوضاً عن تصحيح سعيّد المسار، والتقدّم خطوة نحو الحوار المجتمعي، وتعيين رئيس جديد للحكومة، وإعادة العمل بالبرلمان، كانت كل إشارة تصدر منه أو ممن يحيطون به، بما أنه يدفعهم إلى التعبير عما يعجز "رجل القانون المفوّه" عن إعلانه صراحة، تفيد بأن تونس تخطو نحو الأسوأ.

عندما خطب سعيّد، قبل أيام، من سيدي بوزيد، كان واضحاً حجم التوتر الذي يعتريه، خصوصاً بعد احتجاجات الشارع، وما بدا أنه أول تحرّك لمناهضة إجراءاته، قد يُبنى عليه الكثير، إذا ما توسعّ. كاد وجه الرجل أن يخرج حرفياً من مكانه، وهو يتحدّث عن "صواريخ قانونية جاهزة على منصّاتها" وعن توجّه إلى وضع "أحكام انتقالية". وإذا كان سعيّد يحرص، في كل خطاب ومقابلة أو موقف، على تكرار أنه "ليس رجل انقلاب"، لكن بعد "قرارات" 22 سبتمبر، من كان حائراً في توصيف ما يقوم به سعيّد يُفترض أن الأخير قدم له ما يكفي من الدلائل لتأكيد أن ما يجري انقلاب مكتمل الأركان، وإعادة لتونس إلى زمن الديكتاتورية.

نظرة سريعة على ما نشرته الجريدة الرسمية التونسية من "أوامر رئاسية" كفيلةٌ برسم صورة مرعبة عما يدور في ذهن سعيّد. منح لنفسه حقّ إصدار النصوص ذات الصيغة التشريعية على شكل مراسيم، وذلك "بعد مداولة مجلس الوزراء" غير الموجود. على أن تتضمّن المراسيم، تنظيم الأحزاب والنقابات والجمعيات والمنظمات والهيئات المهنية وتمويلها، تنظيم العدالة والقضاء، الإعلام والصحافة والنشر، الجيش، قوات الأمن الوطني والديوانية، الحريات وحقوق الإنسان، الأحوال الشخصية، الأساليب العامة لتطبيق الدستور، الإجراءات أمام مختلف المحاكم...

عملياً، حلّ سعيّد البرلمان وأخذ مكانه، علّق الدستور ونصّب نفسه الدستور، استحوذ على ما كل يمكن تخيّله من صلاحياتٍ تشريعيةٍ وتنفيذيةٍ وعسكرية، وحتى رقابية ومالية. لكنه بالتأكيد لم يُفصح عن جميع نواياه للمرحلة المقبلة، فهو عملياً فقط هيأ الأرضية للإعلان عن حزمةٍ جديدةٍ من القرارات.

كل ما يجري وصفة للحاكم المستبدّ والدكتاتوري لا أكثر. هل كان ذلك مفاجئاً؟ الوصول إلى هذا الحد ربما، لكن من يعرفون من التونسيين طريقة تفكير سعيّد لا يبدون استغرابهم ما يجري، خصوصاً أن للرجل مواقف مشبوهة من الديمقراطية والأحزاب والانتخابات، ولم يتردّد مرة في المجاهرة بها.

أعاد سعيّد تونس ليس مجرد سنوات إلى الوراء، بل عقودا. فقبيل فرض الجزء الثاني من الانقلاب كانت تونس تشهد، على مدى الأسابيع الماضية، أسوأ ردّة على حرياتها، من احتجاز غير قانوني، ومنع سفر، وحتى الاختطاف، ما يشي بأن الآتي أسوأ بالتأكيد.

المطالبات بعزل الرئيس الحالي تبدو أكثر من منطقية بعد ما يجري. لكن هل هناك فعلاً رغبة/ قدرة سياسية أو إرادة شعبية؟ الجواب على ذلك سيكون رهنا بتطورات الأيام المقبلة، وما إذا كان الشارع سيشهد عودة للاحتجاجات دفاعاً عن الديمقراطية ومكتسباتها، وما إذا كان اتحاد الشغل سيتخلى عن المنطقة الرمادية التي وضع نفسه فيها منذ اليوم الأول لإجراءات 25 يوليو. وأيضاً بما إذا كانت الأحزاب قادرةً على تجاوز خلافاتها لمواجهة التهديد الأخطر للديمقراطية التونسية.

joumana farhat
جمانة فرحات