تونس .. الانقلاب لم يحصل بعد

تونس .. الانقلاب لم يحصل بعد

06 اغسطس 2021
الصورة
+ الخط -

ثمّة تيار إعلامي عربي يتعامل مع الحدث التونسي على أنه نزاع بين الرئيس قيس سعيّد وحركة النهضة التي تأتي في المرتبة السياسية الأولى في البلاد، كونها صاحبة أكبر فريق برلماني. ويحاول أصحاب هذا الاتجاه تعميم التجربة المصرية ما بعد ثورة 25 يناير، والمآلات التي وصل إليها الوضع في 30 يونيو/ حزيران 2013. هذا تبسيط مقصود للمسألة التونسية، غرضه وضع "النهضة" في مرمى النيران، وتصويرها غير مهيأة لتكون طرفا في أي حكم، أو شراكة سياسية، حتى لو حازت موقع الحزب الأول في البرلمان، كما جرى في انتخابات 2019 بحصولها على 52 نائبا من إجمالي عدد مقاعد البرلمان (217). وبالتالي، فإن ذلك أمر يتجاوز حدود التجنّي على طرف سياسي، يمثل شرائح وحساسيات من المجتمع التونسي.

انقلاب الرئيس سعيّد لم يحصل في 25 يوليو، ذلك أن فرمان تجميد البرلمان وحل الحكومة يمثل تمهيدا لخطوات لاحقة مدروسة ومحسوبة، على نحو يتيح لها أن تسير بالتتابع واحدة وراء أخرى، على عكس ما هو متعارفٌ عليه من انقلابات كلاسيكية تحصل خلال ساعات، فإما أن تنجح أو تفشل، وشرط نجاحها سيطرة العسكر على الإذاعة والتلفزيون. لم تعد القواعد القديمة سارية المفعول، فقد باتت الانقلابات تجري بطرق ووسائل مختلفة، وما يقوم به سعيّد هو انقلاب بالتدريج، يتجاوز حدود إمكاناته الذاتية. وما يصدر عنه من فرمانات ومواقف ترجمة للإجراءات التي اتخذها في 25 من الشهر الماضي (يوليو/ تموز)، ويرسم خريطة طريق للمرحلة المقبلة، وهذا هو الهدف البعيد الذي يتمثل في تثبيت نظام حكم جديد، من خلال استفتاء شعبي على تعديل دستور 2014، يقوم على حصر السلطات وتركيزها بيد رئيس الدولة. وهو بذلك يلغي التوازن بين السلطات، الذي يشكل منطق الدستور القائم على النظام الرئاسي البرلماني المختلط، ويتجه إلى نظام شبه رئاسي يعطي رئيس الحكومة صفة "وزير أول" ويجرّده من كل الصلاحيات، باستثناء تنسيق عمل الفريق الوزاري تحت إشراف رئيس الدولة، كما أنه يتجاوز دور السلطة التشريعية التي تقوم بمراقبة عمل سلطات الدولة كافة، وفي المقدّمة منها السلطة التنفيذية.

ومهما يكن من أمر، فإنه خارج ثنائية الرئيس و"النهضة" هناك تونس البلد، الذي تشكل تاريخيا وفق خصوصيةٍ حفظت استمراره، بفضل قيامه على توازناتٍ دقيقة جدا، تراعي حجمه وموقعه ومكوناته وموارده الاقتصادية، وهذا سر بقاء البلد الصغير متماسكا بجوار ليبيا والجزائر، البلدين النفطيين الغنيين اللذين يحكمهما العسكر. فالجارة الأولى التي حكمها العقيد معمر القذافي عاشت مع تونس في شد وجذب. وعلى الرغم من محاولاته التأثير على تونس، فإن العقيد لم ينجح، بسبب طبيعة النظام الجمهوري الذي أرساه بورقيبة. أما الجزائر التي لم تمارس لعبة التدخل في تونس، فإنها كانت ترى في الجارة الصغرى بلدا يدور في فلك آخر. وعلى الرغم من محدودية الموارد الاقتصادية التونسية، فإن هذا البلد تمكن من تحقيق حد معقول من الكفاية الغذائية، وأرسى نظاما تعليميا سمح لقطاعات واسعة من الشعب بالوصول إلى التمدّن قبل بقية بلدان المنطقة والعالم العربي. ولذا ليس مصادفة أن تبدأ رياح الربيع العربي من تونس، وأن لا يحمي الجيش نظام الرئيس زين العابدين بن علي، وتسير التجربة الديمقراطية الجديدة أكثر من عشر سنوات بلا خضّات كبيرة، وتتمكّن النخب السياسية من التوصل إلى تفاهماتٍ في كل مرة للخروج من عنق الزجاجة، ومثال ذلك ما بين حزب نداء تونس وحركة النهضة ما بين 2014 و 2019. وعليه، فإن ما قام به سعيّد ويخطط له جديد على التونسيين، ويمكن أن ينقل البلد إلى تجربةٍ ذات عواقب غير محمودة، لأنه يُسقط نتائج صناديق الاقتراع بحركة انقلابية، يلعب الجيش فيها دورا أساسيا من وراء الكواليس.