تهمة "الإرهاب" ومعضلة إسرائيل

تهمة "الإرهاب" ومعضلة إسرائيل

29 أكتوبر 2021
الصورة
+ الخط -

لا يخرج قرار السلطات الإسرائيلية بتصنيف ست مؤسسات مجتمع مدني فلسطينية، تعمل في مجالات حقوق الإنسان ورعاية الأسرى والتنمية، أنها "منظمات إرهابية"، عن مساعي الدولة العبرية لتقويض أي إمكانية لنيل الفلسطينيين حريتهم واستقلالهم، وتشويه نضالهم وجوهر صراعهم ضد عدوانها واحتلالها. كان وزير الدفاع الإسرائيلي، بني غانتس، أعلن يوم الجمعة الماضي كلاً من: مؤسسة الحق، مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان، الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال - فلسطين، اتحاد العمل الزراعي، اتحاد لجان المرأة الفلسطيني، ومركز بيسان للبحوث والإنماء، "منظمات إرهابية" بذريعة أنها تشكّل "غطاء لترويج أنشطة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وتمويلها". ويزعم قرار غانتس أن هذه المؤسسات تقدّم نفسها منظمات مجتمع مدني، وتحصل على مبالغ مالية كبيرة من دول أوروبية ومنظمات دولية لتصرفها معاشاتٍ لعائلات الأسرى الفلسطينيين وعائلات الشهداء، فضلاً عن نشطاء الجبهة الشعبية.

بعيداً عن تلك المزاعم والادّعاءات، والتي ليس فيها أصلاً ما يعيب تلك المؤسّسات، ولا ما يقدح في نبل مهمتها، فإن الحقيقة أن إسرائيل لا تريد أي صوتٍ ذي مصداقية معبراً عن الفلسطينيين وحقوقهم. تعلم دولة الاحتلال أنها، ومنذ أكثر من عقد ونيف، تخسر معركة الرأي العام العالمي الذي لم يعد يتردّد في إدانة جرائمها ولا في اتهامها بالعنصرية والعدوان. وأكثر ما يقضّ مضاجع قادة الدولة العبرية راهناً هو التحولات ضد سياساتها العنصرية والوحشية في الغرب عموماً، وفي الولايات المتحدة تحديداً. وتلعب مثل هذه المؤسسات الفلسطينية المستهدفة دوراً محورياً في فضح الديمقراطية الإسرائيلية المُدَّعاة، وفي كشف زيف تلك الصورة الوردية التي تحاول تقديمها عن نفسها، الأمر الذي يجد أكثر من تعبير له، بما في ذلك تصاعد حركات المقاطعة الدولية لإسرائيل.

تهمة الإرهاب كما تهمة معاداة السامية التي تشهرها إسرائيل في وجه كل من يجرؤ على نقد احتلالها وإدانة جرائمها

إذن، القرار ليس اعتباطياً، بل هو محاولة واعية لنزع الشرعيتين، المهنية والأخلاقية، وليس فقط القانونية، عن تلك المؤسسات، خصوصاً وأنها تتمتع باحترام دولي واسع، وتتلقّى بناء على ذلك تمويلاً سخياً يمكّنها من أداء مهماتها باقتدار. كما يندرج القرار في سياق مساعي إسرائيل نزع الإنسانية عن الفلسطينيين وشيطنتهم وتشويه نضالهم وحقوقهم. والأهم أن سلطات الاحتلال أملت أن يكون هذا القرار بمثابة رادع لكل من يفكّر في نصرة الحق الفلسطيني. بمعنى، أن تهمة الإرهاب هنا هي كما تهمة معاداة السامية التي تشهرها إسرائيل في وجه كل من يجرؤ على نقد احتلالها وإدانة جرائمها. يدرك قادة الدولة العبرية وأنصارها ولوبياتها واعتذاريوها أنهم عاجزون عن كسب أي نقاش موضوعي بشأن سياساتها العنصرية وعدوانها، ومن ثمَّ لا يبقى أمامهم إلا فزّاعة رمي كل من يقول الحقيقة بأنه معادٍ للسامية ومتعاطف مع الإرهاب، لعلهم يرتدعون. ألم يتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، بنيامين نتنياهو، قبل أشهر، المحكمة الجنائية الدولية بمعاداة السامية، لمجرّد أنها أصدرت قراراً يكيّف "الأراضي التي احتلتها إسرائيل منذ 1967، أي قطاع غزة والضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية"، على أنها واقعة ضمن اختصاصها القضائي، ما يمهد الطريق أمامها لإجراء تحقيقاتٍ بشأن "جرائم حرب" قد تكون ارتكبت هناك؟ قال نتنياهو: "عندما تحقّق المحكمة الجنائية الدولية مع إسرائيل بتهمة ارتكاب جرائم حرب مزيفة، فذلك يعدّ معاداةً صريحةً للسامية"!

إسرائيل لا تريد أي صوتٍ ذي مصداقية معبراً عن الفلسطينيين وحقوقهم

ومع ذلك، وعلى الرغم من الحسابات الإسرائيلية المدروسة في هذا السياق، إلا أنها تبقى يائسة، فسمعة هذه المؤسسات الفلسطينية عالمياً عالية جداً. لا يشهد على ذلك مستوى عملها وأدائها فحسب، بقدر ما أن سياسات الأبارتهايد الإسرائيلية البغيضة تسقط القناع عمّا تحاول أن تستره وتخفيه من وحشية احتلالها عن أعين العالم. وليس من قبيل المفاجأة أن تسارع دول أوروبية، كفرنسا وألمانيا، ومنظمات تابعة للأمم المتحدة، كمكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة، ومنظمات حقوقية دولية غير حكومية، كمنظمة العفو الدولية وهيومان رايتس ووتش، وأخرى إسرائيلية، كمنظمة بتسيلم الحقوقية، إلى التعبير عن امتعاضها من القرار ورفضه وإدانته. حتى واشنطن، حليف الدولة العبرية الأوثق والأكثر تواطؤاً وانحيازاً لها ولاحتلالها، لم تستطع أن تدافع عن هذا القرار، بل وحاولت أن تتنصّل من مسؤولية الاشتراك فيه، وذلك عندما أعلن الناطق باسم الخارجية الأميركية، نيد برايس، إن بلاده ستتواصل مع إسرائيل للحصول على مزيد من المعلومات بشأن القضية. وردّاً على تصريحاتٍ إسرائيلية بأن واشنطن تلقّت إخطاراً مسبقاً بشأن قرار التصنيف، فإن برايس نفى ذلك.

باختصار، إسرائيل اليوم مثل ذلك الشخص الذي لا يجيد السباحة ويوشك على الغرق، تراه يتخبّط بالماء، ويتشبث بأي شيءٍ أملاً بالنجاة. والمشارف على الغرق يكون عدوانياً وشرساً وخطيراً. إنها حلاوة الروح. ولكن تلك العدوانية والشراسة والخطورة تعود على صاحبها بالضرر أكثر من النفع. هذا ما لا تريد الدولة العبرية وأنصارها واعتذاريوها أن يفهموه، ومن ثمَّ فهم يُسَرِّعونَ في غرق مشروعهم وانفضاحه على الملأ وانفضاض السامرين من حوله.