تهديدات خلّبية

تهديدات خلّبية

03 أكتوبر 2021
الصورة

محمود عباس يلقي خطابة عن بعد أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة (24/9/2021/Getty)

+ الخط -

لا يعدم الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، وسيلة لإعادة تسليط الضوء على القضية الفلسطينية على طريقته، وهي القائمة على القنوات الدبلوماسية والتفاوضية. لكن المشكلة أن لا أحد يبالي، فما يريده أبو مازن ليس على أي جدول أعمال، لا الأميركي ولا الروسي ولا الأوروبي ولا الإسرائيلي ولا حتى العربي.

آخر المحاولات كانت أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها السنوية المعتادة في نيويورك. هناك، أطلق عباس تهديداً غير مسبوق بالنسبة له، ومنح إسرائيل مهلة سنة (كان كريماً) لإنهاء احتلالها الضفة الغربية، بما فيها القدس، وإلا سحب اعتراف منظمة التحرير بإسرائيل، وهو الاعتراف الذي قام على أساسه اتفاق أوسلو، وبالتالي السلطة الفلسطينية نفسها.

ليس الغرض هنا التقليل من كلام عباس، أو تهديده، لكن ضرر سحب الاعتراف، في حال حدوثه، سيكون بشكل أساسي على السلطة الفلسطينية التي تبني كل تعاملاتها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية على الاتصال مع إسرائيل، ما يعني أن سحب هذا الاعتراف من المفترض أن يوقف كل هذه التعاملات، ويؤدّي تلقائيا إلى نهاية وجود السلطة. بالتالي، الأمر غير منطقي سياسيا، إلا إذا كان عباس يهدف إلى حل السلطة الفلسطينية، وإعادة الوضع في الضفة الغربية، رسمياً، إلى الوضع الاحتلالي، وهو أمر لا أحد يصدّق أن أبو مازن قد يُقدم عليه.

أضف إلى ذلك أن هذا التهديد من المفترض نُفذ سابقاً، إذ إن المجلس الوطني الفلسطيني أقر تعليق الاعتراف بإسرائيل في عام 2018، في ذروة الهجمة الأميركية على القضية الفلسطينية، لكن من الواضح أن هذا التعليق لم يطبَّق، لما له من انعكاسات على السلطة نفسها ووجودها.

وعلى غرار التصريحات، وما يمكن أن تسمّى التهديدات، السابقة للرئيس الفلسطيني، مرّ التصريح من منصة الأمم المتحدة مرور الكرام، ولم يلق أي ردة فعل من الأطراف الدولية أو العربية المعنية بالقضية الفلسطينية، حتى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينت اختار التجاهل الكامل لكلمة عباس في خطابه أمام الأمم المتحدة، والتركيز على إسرائيل وما سماه "الأخطار الوجودية التي تحيط بها"، وفي مقدمة ذلك بالنسبة له إيران.

الغريب في تهديد الرئيس الفلسطيني هو الجدول الزمني الذي وضعه لنهاية الاحتلال. فكيف من الممكن بالنسبة له حل كل القضايا العالقة مع الاحتلال الإسرائيلي خلال عام، وهو الذي لم يتمكن من إنجاز أي تقدم في ملف المفاوضات خلال السنوات الثلاثين، على الأقل، التي تولى بها هذا الملف، وكان رائداً فيه. الأمر الذي فسّره كثيرون بأنه مجرد مناورة لإعادة إطلاق عجلة التفاوض المتوقفة، وتحريك مياهها الراكدة، غير أن عباس لم يوفق حتى في ذلك، وبات تهديده فارغاً على غرار الرصاص الخلّبي المستخدم في الأعمال الفنية.

الأغرب في كلمة الرئيس الفلسطيني هو الخيارات التي وضعها في حال لم يتم الالتزام بالجدول الزمني لحل القضية الفلسطينية، إذ عرض خيار العودة لحل يستند إلى قرار التقسيم رقم 181 لعام 1947، "الذي يُعطي دولة فلسطين 44 % من الأرض، وهي ضعف مساحة الأرض القائمة على حدود عام 1967"، أو التوجه إلى محكمة العدل الدولية، باعتبارها الهيئة الأعلى في القضاء الدولي، "لاتخاذ قرار حول شرعية وجود الاحتلال على أرض دولة فلسطين، والمسؤوليات المترتبة على الأمم المتحدة ودول العالم إزاء ذلك".

خيارات كهذه أيضاً خلّبية، إذ من المستحيل اليوم، وبعد توقيع اتفاق أوسلو، وحتى قبله، العودة إلى قرار التقسيم الذي عفا عليه الزمن بعد رفضه عربياً فور صدوره في عام 1947. كذلك الأمر بالنسبة إلى محكمة العدل الدولية التي تشترط للنظر في أي قضية نزاع دولية موافقة طرفي النزاع على الاحتكام للمحكمة وقرارها، وهو ما لن ترضاه دولة الاحتلال.

من المفهوم أن يحاول عباس إعادة القضية الفلسطينية إلى الواجهة الدولية، لكن من غير المفهوم إطلاق تهديدات كهذه لا يمكن أن يأخذها أحد على محمل الجد.