تنوير أنيسة وظلام بنان وطالبان

تنوير أنيسة وظلام بنان وطالبان

02 سبتمبر 2021
الصورة
+ الخط -

في غضون تغطيتي الحرب الأميركية في العراق، أعددتُ تقريرا عن مجزرةٍ ارتكبتها الفرقة 101 المكلفة باغتيال صدّام حسين أو اعتقاله في حي المنصور، تبيّن، بحسب أرفع مسؤول قضائي في الجيش الأميركي في العراق، أن الضحايا المدنيين، وكان من بينهم طفل لم يتمّ العاشرة، لا يحق لهم التعويض. استثناءً، يمكن للقائد العسكري أن يقدّر تعويضا اختياريا. وفي التدقيق، كان أعلى رقم للضحايا المدنيين في أفغانستان بحدود 300 دولار. هذه قيمة الإنسان الأفغاني وكذلك العراقي في أكثر الحروب كلفة في التاريخ. هذا هو الواقع الحقيقي الذي عاشه العراقيون والأفغان، وليس ما تمنّاه المحافظون الجدد الذين تخيّلوا أن جيش بلادهم سيحرّر الإنسان من طغيان حركة طالبان، واحتلت المرأة مكانا مركزيا في خطابهم، فالحرب هي لتحريرها من الحجاب. وكانوا يجاهرون بأن الخطوة المقبلة هي إيران والسعودية. وبعدها سيعيش العالم الإسلامي بحرية وديمقراطية، وفوق ذلك سلام مع إسرائيل "جزيرة الحرية المعزولة". التقط الطغاة في المنطقة، منذ لحظة "11 سبتمبر"، الهلع الأميركي من الإسلام، واستثمروا به، ولسان حالهم يقول: نحن وإياكم نخوض المعركة ذاتها في مواجهة الإسلام، ولكل معركة آثار جانبية مثل مقتل مدنيين وتعذيب سجناء وأحكام قاسية، كل ذلك يهون أمام المسؤولية التاريخية في تنوير المجتمعات وتحريرها.

لقاء بشّار الأسد مع السيناتور الأميركي جون كيري يجسّد تلك الالتقاطة. أخرج بشّار صورة أمه أنيسة وهي شابّة غير محجّبة، في الوقت الذي ترتدي فيه أكثر الشابات الحجاب في أيامه. أراد بشّار القول "إننا وإياكم في معركة واحدة ضد الإرهاب الذي يرمز له الحجاب". مع أن كيري لو نظر في صور بشّار الأسد مع مؤيداته في دمشق، لوجد جُلهنّ يرتدين الحجاب. غاب عن كيري أن الحجاب في عهد أسرة الأسد شكلٌ من أشكال الاحتجاج على حكم هذه الأسرة المجرمة. من أسوأ أشكال طغيان آل الأسد عندما استباح المجرم رفعت الأسد، وكان الذراع اليمنى لشقيقه حافظ، دمشق بمقاتلي سرايا الدفاع ونزعوا الحجاب عنوة. الحجاب الدمشقي التقليدي هو النقاب غطاء الوجه، الحجاب الحديث الذي يكشف الوجه ويغطّي الشعر هو من ابتكار بنان الطنطاوي، ابنة الشيخ علي الطنطاوي وزوجة عصام العطار، المراقب العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين.

تمكّنت مخابرات حافظ الأسد من الوصول إلى بيت عصام العطار في آخن في ألمانيا وقتلت بنان. بعد ربع قرن وانقضاء الحق العام، عفا العطار ونجلاه عن قلتة الأم والزوجة، وأفرج عنهم بعد المسامحة بالحق الخاص. هل المتعصّب من ترتدي زوجته الحجاب وعفا عن قتلتها، أم زوج أنيسة الشابة غير المحجّبة التي أنجبت قتلة أكثر إجراما من أبيهم؟

لا يمكن مواصلة التضليل باستغلال قطعة القماش التي تضعها المرأة على رأسها عادة أم عبادة، باعتبارها قضية تحرير المرأة. لا شعرات أنيسة تدل على الحرية ولا حجاب بنان يدلّ على الاستعباد. قد تكون من تكشف رأسها متخلفة وقد تكون من تغطيه متطوّرة. هذه ليست القضية، لا الاستبداد الجاثم على صدور العرب والمسلمين حرّر المرأة ولا القوات الأميركية حرّرتها. لنتذكّر أن الوجود العسكري الأميركي في المنطقة يعود إلى حرب الخليج الثانية قبل ثلاثة عقود، وتوّج باحتلال العراق، فهل تحرّرت المرأة؟

دفعت المرأة الكلفة الأعلى للاحتلال والاستبداد لأنها الحلقة الأضعف، ولا تحسّن من صورتها صورة أفغانيات، كأنيسة، لا يرتدين الحجاب. التقارير الدولية عن أوضاع المرأة في أفغانستان والعراق وسورية مروّعة، وتحسينها يتطلّب جهدا كبيرا، لا يتركز على قطعة القماش التي تغطّي الرأس. لتُترك وشأنها، فلباسها شأنها الشخصي، سواء كانت أنيسة زوجة حافظ وأم بشّار، أم بنان زوجة عصام العطار. .. عودة إلى العراق، ومجزرة المنصور، لم تكن أم الطفل العراقي الذي قتل محجّبة، لكن لا أستبعد أنها تحجبت احتجاجا على من جاؤوا بزعم تحرير بلدها.