تملّق نتنياهو لغزو فنزويلا

23 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 02:46 (توقيت القدس)

المعارضة الفنزويلية حائزة جائزة نوبل للسلام ماريا ماتشادو تخاطب حشدا في كاراكاس (9/1/2025)

+ الخط -

لا أحد يمكنه الدفاع عن حكّامٍ من نمط الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، فالرجل شعبويٌّ بامتياز، يدير بلداً، يفترض أن يكون من بين الأكثر ثراءً، بذهنية فريق كرة سلّة يخوض مبارياته في ملعب كرة قدم. وفي عهده (كما في عهد سلفه هوغو تشافيز)، أصبح مواطن الدولة التي تملك أكبر احتياطي نفط في العالم يتقاضى ما بين دولارين و15 دولاراً شهرياً، ويصحو مبكّراً للحصول على المواد الغذائية الأساسية من منافذ التوزيع الحكومية بنظام القسائم التموينية (كوبونات)، ويُراد له أن يصدّق أن واشنطن هي سبب مشكلات البلاد كلّها. وأمّا أن واشنطن تتآمر فذاك صحيح، لكنّه لا يكفي لتفسير هذا الانحدار المهول، فثمّة فساد يكاد لا يصدّق في مؤسّسة الرئاسة التي يشغلها مادورو (خرّيج ثانوية عامة)، وفي الجيش وتعداده أكثر من 340 ألف جندي.

يستطيع أيّ ضابط في الجيش الفنزويلي أن يفعل ما يشاء في تلك البلاد، فالمؤسّسة التي ينتمي إليها تسيطر على مؤسّسات كبرى ووزارات كاملة (نحو ثُلث وزارات البلاد) ومنها النفط والتجارة، ما يذكّر مواطن هذه المنطقة من العالم بالجيش السوري في حقبة بشّار الأسد، حيث اقتصاد موازٍ يقوم على "التنفيعات" وتجاوز القانون والهيمنة على المؤسّسات التي تدرّ دخلاً، وتدميرها حُكماً في نهاية المطاف.

يُعدّ الدخل الحقيقي لإعالة أسرة واحدة في فنزويلا (نحو 500 دولار شهرياً) حلماً بعيد المنال لأيَّ مواطن يتقاضى 15 دولاراً إذا كان موظفاً في إحدى الوزارات، أو 200 دولار إذا كان يعمل في شركة خاصّة. ورغم ذلك، فإن مادورو لا يعدم الحيلة لتسويق نفسه باعتباره بطلاً، وتبرير فقر البلاد بأنّها مستهدفة من ترامب، وصولاً إلى روزفلت وجورج واشنطن.

يعيش نحو رُبع الشعب الفنزويلي خارج البلاد، وكان لكاتب المقال جار فنزويلي، يعمل في مجال النفط والغاز في الدوحة، أخبره بأن راتبه كان نحو خمسة دولارات شهرياً في بلاده، وأصبح نحو ثمانية آلاف دولار في قطر، رغم أن فنزويلا بلد نفطي ويفترض أن تكون مداخيلها من بين الأعلى في العالم. فماذا يفعل مادورو لحلّ معضلة كهذه؟... يلجأ إلى الموعظة الحسنة، ويجلد مواطنيه في برامج إذاعية وتلفزيونية وفي مواقع التواصل الاجتماعي، في أحاديث لا تنتهي، يخلط فيها الجدّ بالهزل، ولكنّه لا يقدّم الحلول.

هذا كلّه شيء، وما تفعله المعارضة الفنزويلية شيء آخر تماماً: الارتماء في حضن الأجهزة الاستخباراتية الأميركية، حرفياً وليس مجازاً، والتآمر على الوطن – الأم، حتى لو أدّى ذلك إلى احتلاله من الولايات المتحدة. وهذا ما تدعو إليه وتقوله علناً المعارضة ماريا كورينا ماتشادو، التي كافأتها لجنة نوبل للسلام بمنحها جائزتها هذا العام (2025)، وعلى ماذا ولماذا؟ لأنها تعارض الديكتاتور مادورو الذي يفاخر بشاربَيه وقوة عضلاته. ربّما كان لدى ماتشادو ما يكفي ويزيد من الأسباب للثورة على مادورو والسعي إلى إسقاطه، فسليلة العائلة الصناعية الثرية التي جُرّدت من ثروتها ومصانعها وشركاتها لا تحتاج أسباباً أخرى للمعارضة، لكنّ ذلك لا يؤهّلها لجائزة نوبل للسلام، خصوصاً أنها لا تخفي عملها لإطاحة رئيس بلادها بالتعاون والتنسيق مع الولايات المتحدة، والسعي إلى التأثير في إدارة ترامب لتغزو تلك البلاد، ومن ذلك تملّقها الرخيص لرئيس الوزراء الإسرائيلي، نتنياهو، الذي لم يغسل يديه بعد من أسوأ إبادة عرفها التاريخ المعاصر.

في اتصال مع جزّار غزّة وقاتل أطفالها (أكثر من 50 ألف طفل ما بين قتيل وجريح منذ "7 أكتوبر"، بحسب "يونيسف")، تتملّق الفائزة بجائزة نوبل نتنياهو، وتهنّئه وتبارك له، وتعلن تضامنها معه، وتقول إن أعداءه أعداؤها. ماذا يمكن أن تفعل أكثر ليحسم ترامب قراره ويغزو فنزويلا؟ أن ترسل إلى نتنياهو فقراء فنزويلا ليلتحقوا بالجيش الإسرائيلي؟ هذا دركٌ غير مسبوق من الانحطاط الإنساني لا يستحق "نوبل" حتى في الخسّة والابتذال.

فازت المعارضة الميانمارية أون سان سو تشي بجائزة نوبل للسلام عام 1991، لموقفها من العسكرة والديكتاتورية في بلادها، لكنّها نفسها لم تتّخذ موقفاً واحداً معارضاً ضدّ التنكيل بالمسلمين الروهينغا في بلادها واغتصاب نسائهم بالآلاف، وبما يرقى إلى الإبادة الجماعية، وربّما كان طموح ماتشادو ليس بعيداً.

أيّ "نوبل للسلام" هذه... ودعك من مادورو وتشافيز وجمهوريات الموز و"الفراولة" في أميركا اللاتينية وجوارها؟

زياد بركات
زياد بركات
قاص وروائي وصحفي فلسطيني/ أردني، عمل محررا وكاتبا في الصحافتين، الأردنية والقطرية، وصحفيا ومعدّا للبرامج في قناة الجزيرة.