تلك الرؤية الأناركية في الفكر السياسي العربي

12 سبتمبر 2025

(نجا مهداوي)

+ الخط -

شكّلت قضية وجوب الإمامة أحد أبرز إشكالات الفكر السياسي الإسلامي التي احتدم الجدل بشأنها بين مختلف المدارس الكلامية والفقهية. وفي خضم هذا السجال، برزت مواقف متباينة في التعامل مع الرأي المخالف، خصوصاً مع مدرسة المتكلم والفقيه المجتهد أبي بكر الأصم، والتي يمكن توصيفها بالمدرسة الأناركية الإسلامية المبكّرة. وكانت عبارة الأصم الشهيرة "لو تناصف الناس لاستغنوا عن الإمام" مثار جدلٍ كبيرٍ بين الفقهاء والمتكلمين الذين اختلفت أساليبهم في عرض هذه المقولة وجميع أقوال الأصم الأناركية. فبينما انزلق الجويني إلى وصف أصحاب هذا الرأي بأنهم يريدون ترك الناس "أخيافاً، يلتطمون ائتلافاً واختلافاً، لا يجمعهم ضابط، ولا يربط شتات رأيهم رابط"، مضيفاً اتهاماتٍ شخصيةً للأصم بأنه "هجوم على شقّ العصا، ومقابلة الحقوق بالعقوق"، نجد أن القاضي عبد الجبار وابن أبي الحديد من المعتزلة اتّجها إلى محاولة احتواء الرأي المخالف عبر تأويله، حيث زعما أن "المعلوم من حال الناس خلاف ذلك، فإذن عُلم من قوله إن إقامة الإمام واجب"، مؤكّدين أن قول الأصم "غير مخالف لما عليه الأمّة". أما ابن خلدون فقد قدّم تحليلاً اجتماعياً فريداً حاول فيه فهم الأسباب الكامنة وراء هذا الرأي، معتبراً أن الدافع الأساسي هو الهروب من ثنائية الاستبداد والفساد وأكّد أن مقصدهم "الفرار عن الملك ومذاهبه من الاستطالة والتغلّب والاستمتاع بالدّنيا لمّا رأوا الشريعة ممتلئة بذم ذلك"، مبرزاً بذلك البعد الأخلاقي والاجتماعي لرفض السلطة السياسية.

وفي مقابل هذه المواقف، يمثل الجاحظ نموذجاً فريداً في النقل الموضوعي الشامل، والحرص على استقصاء كل حجج المدرسة الأناركية، من دون محاولة تشويه حجة الخصم أو إساءة تأويلها. لقد أدرك الجاحظ أن التعامل مع الرأي المخالف لا يقتصر على نقده أو دحضه، بل على فهم أسبابه ودوافعه، وكيف يعكس هذا الرأي ديناميّة المجتمع وإمكاناته في تنظيم ذاته.

وينقل الجاحظ في رسالته "استحقاق الإمامة" رؤية عميقة للمدرسة الفكرية التي تتبنّى فكرة عدم وجوب الإمامة. ويشير إلى أن هذه المدرسة تؤسّس رؤيتها على حجّة مركزية مفادها بأن "الحاجة تفتق الحيلة وتبعث على الروية"، ما يُبرز قدرة المجتمع على تطوير آليات ذاتية للإدارة عندما يُترك لشؤونه. كما ينقل الجاحظ عنهم قولهم: "لو تركهم المتسلّطون عليهم ولجأوا إلى أنفسهم... لذهبت عادة الكفاية وضعف الاتكال ولتعودوا اليقظة".

المدرسة الأناركية المبكّرة لم تكن مجرّد فكرة نظرية، بل انعكاساً لتجربة اجتماعية حقيقية في تنظيم المجتمع المحلي

يستند أصحاب هذا الرأي إلى واقع عملي، يشير إلى قدرة المجتمعات على إدارة مصالحها بصورة تعاونية كما ينقل الجاحظ: "رأينا أهل الصلاح والقدر عند انتشار أمر السلطان... يقوم منهم العدد اليسير في الناحية والقبيلة والدرب والمحلّة، فيقيم لهم حد المستطيل ويقمع شذوذ الدعار". ويظهر هذا النقل أن المدرسة الأناركية المبكّرة لم تكن مجرّد فكرة نظرية، بل انعكاساً لتجربة اجتماعية حقيقية في تنظيم المجتمع المحلي.

وتتضمّن الرؤية المنقولة حججاً تفصيلية لتعزيز الفاعلية المجتمعية، منها أن "الحاجة إلى الذب والحراسة والعلم بالمكيدة هي التي تحملهم على منع أنفسهم"، مما يشير إلى تحول الأفراد من السلبية إلى الفاعلية تحت ضغط الحاجة. كما يؤكّدون أن "صلاح الناس بقدر تعاونهم وتخاذلهم"، وهي رؤية للصلاح الاجتماعي قائمة على التعاون الطوعي والمسؤولية الجماعية، لا على الإجبار القسري.

ويطرح أنصار هذا الرأي آلياتٍ عمليةً للإدارة المجتمعية، منها اللامركزية في إقامة العدل، حيث يكون "على كل رجل في داره وبيته وقبيلته وناحيته ومصره إذا كان مأموناً ذا صلاح... إقامة ذلك الحكم أو الحد". كما يؤكّدون المسؤولية الفردية في تطبيق القانون، حيث "على المجترح للذنب الموجب على نفسه الحد... إمضاء الحكم في بدنه وماله والإمكان من نفسه".

تنبني هذه الرؤية على إيمانٍ بقدرة المجتمع على تحقيق آلياتٍ مستدامةٍ تتحوّل إلى سلوك راسخ، حيث "ينبت عليه الصغير ويتفحّل معه الكبير"، وتحقيق أمن شامل حيث "يستريح الضعيف ويأمن الخائف وينتشر التاجر"، والاعتماد على الذات "حيث "يتحقّق عندهم أن لا كافي إلا بطشهم وحيلهم".

ويظهر نقل الجاحظ هذه الحجج بأمانة وموضوعية قيمة منهجية مهمة في التعامل مع الرؤى المخالفة، فمن خلال نقله المتوازن، حفظ لنا رؤية فكرية متكاملة تطرح بديلاً لإدارة الشأن العام، تقوم على تحرير الطاقات المجتمعية الكامنة، وتعزيز المسؤولية الفردية والجماعية، وبناء أنظمةٍ لا مركزية للعدل والأمن، وتحصين المجتمع ضد استبداد السلطة.

هذه الرؤية، رغم أنها تمثل رأياً مخالفاً للمذاهب السائدة ولمذهب الجاحظ نفسه، تظل ذات أهمية للمجتمعات المعاصرة التي تسعى إلى تحقيق التوازن بين سلطة الدولة ومشاركة المجتمع. وكما ينقل الجاحظ ختام حجتهم برؤية متفائلة: "وكان بالحري أن يصلح أمر الجميع". وتظل عبقرية الجاحظ في أنه استطاع أن يقدّم لنا نموذجاً للتعامل مع الرأي المخالف يتسم بالعمق والموضوعية، بعيداً عن التشويه أو التأويل المغرض. لقد أدرك أن حفظ الرأي المخالف في صميمه حفظ لتنوع التراث الإسلامي وغنى تياراته الفكرية.

وفي عصرنا الحالي، حيث تشتدّ الحاجة إلى نماذج للتعايش مع التعدّدية الفكرية، يظلّ منهج الجاحظ في النقل والتحليل نموذجاً يستحق الدراسة والاقتداء، فالفكر لا ينمو بالتقوقع والإقصاء، بل بالحوار والتفاعل مع مختلف التيارات، حتى التي قد تبدو مغايرة أو صادمة للمسلّمات السائدة.

عبر قرون مضت، يظلّ الجاحظ يحدّثنا بلغة العقل والمنطق، مذكّراً إيانا أن الفكر الإسلامي كان وما يزال قادراً على استيعاب مختلف الرؤى والتيارات

هكذا، عبر قرون مضت، يظلّ الجاحظ يحدّثنا بلغة العقل والمنطق، مذكّراً إيانا بأن الفكر الإسلامي كان وما يزال قادراً على استيعاب مختلف الرؤى والتيارات، وأن قوته تكمن في تنوعه وغنى تياراته، لا في انغلاقه وإقصائه للآخر. وبعد أن استقصى الجاحظ جميع حجج الأناركية في مسألة وجوب الإمامة، ختم عرضه بملاحظة منهجية مهمة، تؤكد فلسفته في التعامل مع الرأي المخالف: يقول الجاحظ: "قد حكينا قول من خالفنا في وجوب الإمامة وتعظيم الخلافة، وفسرنا وجوه اختلافهم، واستقصينا جميع حُججهم إذ كان على عذر لمن غاب عنه خصمه وقد تكفل بالإخبار عنه في ترك الحيطة له والقيام بحُجته، كما أنه لا عذر له في التقصير عن إفساد ما يُخالفه وكشف خطأ من يُضاده عند من قرأ كتابه وتفهَّم حُجته؛ لأن أقل ما يُزيل عذره ويُزيح علته أن يكون قول خصمه قد استهدف لعقله وأضجر لسانه، وقد مكَّنه من نفسه وسلَّطه على إظهار عورته، فإذا استراح من شغب المُنازع ومداراة المُستمع لم يَبقَ إلا أن يقوى على خلافه أو يعجز عنه".

يؤكد الجاحظ أنه لم يكتف بعرض الرأي المخالف، بل استقصى جميع حججه وأوضحها بدقة، بما يتيح للقارئ فهمها في سياقها الكامل، يشدّد على أن نقل رأي الخصم بعناية وشفافية يُزيل العذر عن التقصير، ويتيح للمعرفة أن تُنشر بشكل سليم من دون تشويه أو اجتزاء. ويمكن اعتبار هذه الرؤية الأناركية التي تحدّث عنها الجاحظ نموذجاً مبكّراً للفكر الاجتماعي السياسي القائم على الحرية الفردية والمسؤولية الجماعية، إذ تفترض أن الأفراد قادرون على ضبط أنفسهم وتحقيق العدالة بشكل شبه ذاتي، مستفيدين من الخبرة الاجتماعية والتعاون المحلي. كما تحمل رؤية المدرسة الأناركية المبكرة بعداً أخلاقيّاً واضحاً، يتمثل في رفض الظلم والاستبداد، وتعزيز مبدأ المساءلة الفردية والجماعية، وهو ما يربط بين الفقه والسياسة والأخلاق في إطار تكاملي.

مجيب الحميدي
مجيب الحميدي
كاتب وباحث يمني في الفكر الإسلامي. دكتوراه في الديناميكيات الاجتماعية والسياسيات التربوية.