تلفّت القلب

26 ديسمبر 2020
الصورة

(بيكاسو)

+ الخط -

لم أستطع الالتفات إلى الخلف، كي ألقي عليهم تحية الوداع الأخيرة، وهم يستقلون السيارة التي ستحملهم إلى مطار القاهرة للمرة الأخيرة. كنت أعرف أن تلك الالتفاتة سوف تجعلني أعود لمعانقتهم فردا فردا من جديد، ما يعني أن البكاء الذي غالبتُه أياما سوف يهزمني أمامهم. وسوف تكون اللحظة تلك قاسيةً جدا علينا جميعا، عليّ أنا بالتحديد، إذ منذ مدة، وأنا أخفي في داخلي كل الحزن والقهر والغضب. لا أظهر مشاعري وعواطفي كما يجب، كأنني أريد أن أثبت لنفسي وللآخرين أنني امرأة قوية، باتت متمرسةً بالصعب من الحياة، وتعرف كيف تضع العتبات بينها وبين الآخرين، كي لا تُصاب بكسرة القلب الذي كاد التعلّق بالبشر والأصدقاء أن يُتلفه ذات يوم؛ بيد أن ذلك لم يكن أصيلا، كان مجرّد قناعٍ وضعتُه يوما، وصدّرته للآخرين، وصدّقته أنا نفسي. ولكنه على ما يبدو كان قناعا مغشوشا، يكشف ما خلفه: امرأة هشّة ووحيدة، تتعلق بأحبائها وتقلق عليهم وتخاف من فقدانهم. الفقد.. يا إلهي، كم فقدت في حياتي من الأصدقاء، إذ منذ بداية 2011، وحياتي سلسلة من فقدان الأصدقاء، فرّقت بيينا المسارات والأمزجة والتحالفات والمسافات والموت. ومع كل فقدٍ لصديق كانت الحياة تعوّضني بآخر قريب، ليغادر حياتي بعد مدة، وهو يزيد في مساحة الوحشة التي تحتل روحي بهدوء. 

لم يكن هيثم وديما، صديقاي اللذان غادرا مصر أول من أمس لآخر مرة، مع أطفالهما، نحو بلاد جديدة، تمنحهما أمانا مفقودا في بلاد العرب، وتمنح أطفالهما مستقبلا واضحا، ربما لا وجود له هذه المنطقة البائسة من العالم، لم يكونا مجرّد صديقيْن عبرا في حياتي بشكل عادي، (نادرا ما يعبر الأصدقاء في حياتي بشكل عادي)، كانا هنا بديلا عن الابنة والأخت والأخ. ثمّة طاقة مذهلة من الفرح والحياة والحب يمنحانها لمن يختلط بهما ويعرفهما. وربما هذا ما جعل أصدقاءنا المصريين المشتركين يخشون عليّ من رحيلهما عن مصر، إذ كان يبدو للجميع أن وجودهما في حياتي بمثابة التعويض عن غياب العائلة والابنة والأهل. لم يخطئ أصدقاؤنا كثيرا في هذا، لكنهم مخطئون ربما في تقدير ردة فعلي على غيابهما المكاني عن حياتي. 

قبل 2011، حين كنا نرى حزن الأصدقاء العراقيين اللاجئين إلى سورية، أو القادمين إليها في زياراتٍ من بلاد اللجوء، كنا نستغرب تلك الحالة المتناقضة بين الانغماس في العيش والحزن في الوقت ذاته. ولطالما احترنا في فهم تلك التركيبة الغريبة بين الحزن وبهجة الحياة. كنا، نحن السوريين، نعيش في وطننا، بين عائلاتنا وأصدقائنا اليوميين الثابتين. لنا حياتنا المستقرّة، ولنا ذاكرة منسجمة مع سياق يومياتنا. لا ندهش من أفراحنا وأحزاننا، ولا نتساءل عن لحظات ضعفنا أو قوتنا، كانت سرديات حياتنا مشابهةً لسرديات المجتمعات المشابهة، التي تبدو مستقرّة إلى حد ما. حين بدأت الثورة وحصل فيها ما حصل، واضطرّ الملايين إلى الخروج من سورية، مرّ أغلبنا بأكثر من محطّة لجوء. ومع كل لجوءٍ، نفقد مزيدا من الأصدقاء. وفي كل محطةٍ، نبدأ ببناء ذاكرةٍ تتآلف مع المكان الجديد، نوعا من الحماية من كآباتٍ عديدةٍ تهاجمنا في كل التفاصيل. أذكر ذات مرّة أنني كنت أجلس مع مجموعة أصدقاء مصريين، فجأة شعرتُ بوحشةٍ وغربةٍ مهولة. كانوا يتحدّثون عن ذاكرةٍ غريبةٍ عني بالكامل، ذاكرة ثابتة وأصيلة ومستقرّة، بينما كانت ذاكرتي مشتّتة أحاول حشرها بتفاصيل الأشخاص والمكان الجديد، وأعاني من الفشل مرّات كثيرة. أذكر أنني انسحبتُ من الجلسة وأصبتُ بنوبة بكاءٍ كانت الأعنف والأطول طوال العشر سنوات السابقة، قرّرت يومها أن أضع قناعا يحميني من تشتّت الذاكرة وتلف القلب، وهو ما جعلني أكثر صلابةً، وربما أكثر قسوةً في التعامل مع مشاعري. وفي الوقت نفسه، أكثر قدرةً على التجاوب مع مغريات البهجة التي تتيحها مدينة كالقاهرة. معظم أصدقائي السوريين في القاهرة كانوا مثلي. التواتر بين الحزن والإقبال على الحياة في حياتنا يصبح عصيا على فهم آخرين لم يعانوا تجربة اللجوء الاضطراري واحتمال المغادرة في أي لحظة. لم يعانوا تجربة الوطن البديل والذاكرة البديلة، والبدء من جديد وأنت في سن يفترض أن تكون ذاكرتك فيها مستقرّة وثابتة.

علّمتنا تجربة الحرب واللجوء على الوقوف كلما سقطنا، وعلى الوداعات المتتالية، فكل وداعٍ هو فقد، وكل فقدٍ قسوة، وكل قسوةٍ هي تدريب على الموت، حتى تكاد قلوبنا أن تتحوّل إلى صخر، لولا أنها "تتلفت" لحظة الوداع، بدل أعيننا، فيبللها الحزن، وترقّ مرحبة بالحياة من جديد.