تفاوض لإبراء الذمّة

09 فبراير 2026
+ الخط -

انخرطت الولايات المتحدة في مفاوضاتٍ "نصف مباشرة" بهدف خفض التوتّر وتغيير بوصلة النزاع مع إيران نحو تسوية لا ملامح ظاهرة لها. فالهدف الحقيقي من المفاوضات غير مُعلَن، وأجندة قضاياها محلُّ تكهّنات إعلامية وتراشق سياسي بين الجانبَين، بل تبدو تقديرات الأطراف الثالثة، سيّما الدول التي توسّطت لعقد تلك المفاوضات، غير واضحة، ليس لجهة النتائج المأمولة فقط، بل أيضاً بشأن المراهنة على استبعاد الخيار العسكري الأميركي ضدّ إيران. ولا ينتقص ذلك من جدّية الوسطاء أو يُشكّك في نياتهم الطيّبة؛ فمنع أي حرب أو مواجهة مسلّحة يمثّل بذاته مصلحة كبرى لدول المنطقة، أو بالأدقّ لمعظمها، ولكن الأطراف كلّها تتجنّب مواجهة السؤال المسكوت عنه: ما هدف واشنطن وطهران من عملية التفاوض؟ بل ماذا تريد كلٌّ منهما من الأخرى أساساً حتى يمكن تحديد كيفية تحقيق المراد، سواء بلغة الحوار، أو عبر القوة المسلّحة؟ وينطبق السؤال أكثر على واشنطن، صاحبة اليد العليا والقوة الباطشة.
يردّد ترامب ومسؤولو إدارته أن على طهران قبول التفاوض لتجنّب ضربة عسكرية، من دون كشف ماهيّة المطلوب منها تحديداً. فيما يُعلن رموز النظام الإيراني الانفتاح على الحوار، لكن من دون شروط مسبقة. ويشير بعض المحيطين بترامب إلى المطلب الإسرائيلي المتكرّر بضرورة إدراج البرنامج الصاروخي الإيراني في قائمة التنازلات المطلوبة من طهران. وفي المقابل تُصرّ طهران، بلسان وزير خارجيتها عبّاس عراقجي، وغيره من المسؤولين، على أن الملفّ النووي هو موضوع التفاوض حصراً. وقد أكّد عراقجي أن موضوع الصواريخ تحديداً "خارج التفاوض".
لكن مطالب واشنطن لا تقف عند قدرات إيران الصاروخية، وإنما تمتدّ إلى أنشطتها الإقليمية، وهو ملفّ معروف بتعقيدات كثيرة وتشابكات مع قضايا وملفّات فيها إيجابيات لأطراف وسلبيات لأخرى، وبخاصّة أن غالبية تلك القضايا، إن لم يكن جميعها، متداخلة بشدّة مع الأوضاع الداخلية والتوازنات الهشّة بين قوى المجتمع ومكوّناته في أكثر من دولة عربية؛ حيث التباين العرقي والمذهبي، والأدوار المتنامية لأذرع إيران ونفوذ وكلائها.
وربما من فرط أهمية (وخطورة) تلك الدائرة الإقليمية الأوسع، الخاصّة بسياسات طهران وتحرّكات أذرعها نحو (وداخل) دول عربية، يجري إخضاع تلك الحزمة من الهواجس ومناقشتها للتداول في الغرف المغلقة، ولا يجري طرحها على نطاق واسع، تجنّباً لارتدادات محتملة داخلياً وإقليمياً.
الأمر إذن أعقد ممّا يبدو في الظاهر، كما أن أجندة المفاوضات الجارية (على ضيقها) قابلة للتجزئة والتفتيت إلى مسائل فرعية كثيرة تتطلّب أعواماً للتفاهم حولها. فما إن ألمحت طهران من طرف خفي إلى إمكانية خفض مستوى إثراء (تخصيب) اليورانيوم، حتى رفعت واشنطن سقف مطالبها إلى وقف التخصيب تماماً، وهو ما رفضته طهران، واعتبرته غيرَ قابلٍ للنقاش. وهكذا، بين الموقفَين عشرات المواقف والصيغ القابلة للتفاهم والاختلاف.
والمعيار الوحيد الذي يمكن من خلاله قياس فرص نجاح تلك المفاوضات، أو استمرارها لجولات أخرى، ليس مرونة إيران؛ فهي في وضع لا يتيح لها سوى المرونة إجباراً والانضغاط خضوعاً، لكنّ المسألة تتعلّق حصراً بما إذا كان دونالد ترامب يريد من إيران تنازلات واضحة ومحدّدة، من شأنها توفير بيئة إقليمية أكثر استقراراً وأقلَّ توتراً، أم أن واشنطن وإسرائيل لا تريدان فقط كسر شوكة طهران، وإنما ضعضعة كيانها دولة وإخضاعها نهائياً.
وأياً ما كان مدى خطورة سياسات إيران الإقليمية على استقرار المنطقة وأمن دولها وأمان شعوبها، فإن طحن عظامها واستبعادها من المعادلة الإقليمية ليس أقلَّ سوءاً من مخطّطاتها وتحرّكاتها؛ لأنه يعني بالضرورة تعاظم قوة إسرائيل وتوسّع أطماعها، من الهيمنة على المنطقة وقيادتها، إلى ابتلاعها فعلياً.

58A20E76-8657-4557-85A3-A5682BEB4B9A
سامح راشد

باحث مصري متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الإقليمية للشرق الأوسط. درس العلوم السياسية وعمل في مراكز أبحاث مصرية وعربية. له أبحاث ومقالات عديدة في كتب ودوريات سياسية.