تفاصيل لبنانية

تفاصيل لبنانية

25 ديسمبر 2021
+ الخط -

دائماً ما تأخذنا العناوين الكبرى في أي مسألة، ونادراً ما نُعنى بالتفاصيل التي تبقى الأصدق في كل زمن. في لبنان، العناوين دائماً طائفية ومذهبية ومناطقية، ممزوجة بعنصرية مطبوعة باللاوعي الجماعي، وغير مقتصرة على مجتمعات وطوائف محدّدة. وتشعر حين تكون شخصاً لم يزر لبنان قط، وكأن شعبه في حالة قتالٍ أبدية. هنا تكمن التفاصيل. في كل مكانٍ تقريباً في لبنان، تجد زملاء عملٍ من طوائف ومناطق متعدّدة. يتناولون الغداء معاً أو يخرجون معاً لقضاء أمسية جميلة. طبعاً أصبحت مثل هذه اللحظات بعيدة في زمن وباء كورونا، والوضع الاقتصادي المتردّي. قد تظنّ أن ما تقرأه مجرّد قصة رحبانية أخرى عن وطنٍ مثالي، لكن الأمر ليس كذلك. في جلسات الغداء والأمسيات المذكورة والعمل، يتطرّق الزملاء إلى مواضيع الساعة. وقد يتبادلون كلاماً عالي النبرة أو في إطار المزاح. وقد يعود بعضهم إلى منزله، ويفرغ كل ما لم يستطع قوله خلال هذه الجلسات، غير أن الحياة تستمر، ويعود هؤلاء، في اليوم التالي، إلى لقاء الزملاء وكأن شيئاً لم يكن.
في التفاصيل أيضاً، تجد فريقاً رياضياً ينتمي إلى منطقةٍ مصبوغةٍ بلونٍ طائفي محدّد، ومواليا سياسياً لحزبٍ ما حتى، لكنه مختلط من رأس الهرم إلى اللاعبين. يُضحكك الأمر في أحيانٍ كثيرة. مثلاً، إن فريق الراسينغ لكرة القدم من حي الأشرفية ذات الطابع المسيحي في بيروت يقوده مدربٌ فلسطيني مسلم. مع العلم أنك حين تعود بالذاكرة إلى حرب لبنان (1975 ـ 1990) تدرك أن بين الأشرفية بالذات والفلسطينيين حكاية عنف ودماء. في بيروت أيضاً، يُعدّ فريق الرياضي لكرة السلة محسوباً على المسلمين، لكن مدرّباً مسيحياً يقوده. تستذكر هنا الشعارات والخلافات والصراعات الطائفية بين ناديي الرياضي والحكمة، أيام المنافسة الشرسة بينهما في تسعينيات القرن الماضي ومطلع الألفية. لا يعني هذا التعايش أن الوضع على ما يرام، وأن المحبّة تسود الجهات اللبنانية الأربع، بل يفسّر مدى عمق التناقضات المجتمعية والفردية، وإمكانية استغلالها للقفز عن الشعارات التي تبلع الجماهير، وتدفعها إلى التخلّي عن حرياتها في الاختيار والتفكير.
من الصعب على مثل هذه التفاصيل أن تتطوّر، بل تمنع طبيعة النظام اللبناني تطوّرها، لكنها أساسية في محطاتٍ مقبلة. وتأجيل التطوير الحالي فيها، لأسباب آنية، مثل الوضع السياسي والأزمة الاقتصادية وتفشّي وباء كورونا، لن يدوم طويلاً، ولا بد من نموّ هذه التفاصيل في لحظات استقرار. طبيعة المجتمعات مبنية على التفاعل، سواء كانت تصف نفسها بـ"الجامدة كالصخر" أو "المتحرّكة كالمياه". والتفاعل عنصر اضطراري، يُفرض على البشر بفعل ديمومة الزمن. وهو ما تُظهره محطّات تاريخية حول بحث الإنسان القديم الدائم عن أراضٍ زراعية، وصولاً إلى بحث الإنسان الحالي عن منابع المياه. وبين البحثين، تقع الحروب وتُولد العقائد وتُراكَم الثقافات، وصولاً إلى تأمين الحد الأدنى من الاستقرار، المبني على توزيع الثروات، والاحترام المتبادل، ضمن سلّة قوانين تنظّم العلاقة بين الأفراد والدول. الدول الإسكندينافية قد تكون نموذجاً يُحتذى هنا، بعد نحو ألف عام من عصر الفايكينغ الدموي.
علينا فهم واقع سيحصل، إن لم يكن اليوم فغداً: ما دام اللبنانيون والمقيمون في لبنان، متعدّدو الطوائف والمذاهب، قادرين على الاعتراف بالآخر، بالحدّ الأدنى من قيمة الاعتراف، فإن الأبواب ستبقى مفتوحةً على مستقبلٍ سيتجه نحو عكس العنصرية السائدة في البلاد. طبيعي أن يتخذ هذا المسار وقتاً طويلاً، لكن مجرّد وجوده الضئيل الآن سيتيح توسيع أفق التغيير الذهني مستقبلاً.
أما في حال تمسّك مجتمعاتٍ أو أفرادٍ بعنصريتهم وطائفيتهم ومناطقيتهم، فإن الانغلاق وفائض القوة والشعور بالتفوّق على الآخر باسم الدين أو القومية أو العرق أقصر طريق للانتهاء من هذه الفئة من البشر، فالتفاعل حركة والحركة أقوى من الجماد.