تصريحات تاريخية وغير مسبوقة
نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في مقابلة بودكاست مع جو روغان (15/7/2026 لقطة شاشة)
لم تكن المقابلة التي أجراها نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، مع جو روغان مجرد بودكاست طويل أثار ضجة إعلامية عابرة، بل بدت أقرب إلى لحظة سياسية فارقة في النقاش الأميركي بشأن إسرائيل. فما قاله الرجل لم يقتصر على انتقاد حكومة بنيامين نتنياهو، أو الاعتراض على سياساتها تجاه إيران، وإنما ذهب إلى منطقة كانت عقوداً من أكثر المناطق حساسية في السياسة الأميركية؛ حين تحدّث صراحة عن حملات ضغط مموّلة، وعن محاولات للتأثير في الرأي العام الأميركي وصناعة القرار بما يخدم استمرار الحرب، مؤكّداً أن المعيار الوحيد الذي يجب أن يحكم السياسة الأميركية هو المصلحة الأميركية، لا أي اعتبارات أخرى، وهي تصريحات غير مسبوقة في هذا المستوى السياسي، سواء من حيث مضمونها أو من حيث هوية قائلها.
أهمية هذه التصريحات في أنها لا تصدر عن أكاديمي أو صحافي أو نائب هامشي في الكونغرس، بل عن نائب رئيس الولايات المتحدة، والمرشّح الأوفر حظاً لقيادة التيار الجمهوري بعد ترامب، ومن داخل البيئة الفكرية والسياسية لحركة MAGA نفسها، التي تمثل اليوم القلب النابض للحزب الجمهوري. عقوداً، ظل الحديث عن نفوذ اللوبيات المؤيدة لإسرائيل، أو عن تأثيرها في القرار الأميركي، محصوراً في دوائر بحثية ضيقة أو في أصوات هامشية كثيراً ما كانت تتعرّض لاتهامات جاهزة بمعاداة السامية. أما أن يتحوّل هذا الحديث إلى خطاب يصدر من الرجل الثاني في الإدارة الأميركية، فهذا يعني أن أحد أكبر المحرّمات السياسية في واشنطن بدأ يفقد جزءاً من حصانته.
ويكتسب هذا التحول أهمية أكبر، لأنه لا يأتي في فراغ، بل يتزامن مع نقاش أميركي داخلي غير مسبوق حول طبيعة العلاقة مع إسرائيل، فمنذ اندلاع حرب غزّة، ثم الحرب مع إيران، أخذ الإجماع التقليدي داخل الحزبَين، الجمهوري والديمقراطي، يتعرّض لتصدّعات متزايدة. داخل الحزب الديمقراطي باتت الأصوات المنتقدة لإسرائيل أكثر حضوراً، ليس بين التقدّميين فحسب، بل حتى داخل التيار الرئيسي للحزب، كما كشفت التصويتات أخيراً في مجلس النواب والانقسامات حول المساعدات العسكرية. وفي المقابل، بدأ داخل الحزب الجمهوري نفسه يظهر تيار انعزالي ــ شعبوي، يرفع شعار "أميركا أولاً"، ويرى أن الانخراط غير المشروط في الحروب الخارجية لا يخدم المصالح الأميركية.
السؤال الأكثر إثارة يتعلق بما وراء التصريحات نفسها: هل كان فانس يتحدّث بصفته الشخصية، أم كان ينقل رسالة محسوبة من داخل البيت الأبيض؟ فإذا كانت هذه التصريحات قد جاءت بضوء أخضر من الرئيس دونالد ترامب، نكون أمام رسالة سياسية غير مسبوقة موجّهة مباشرة إلى بنيامين نتنياهو، تكشف أن النقاش الحقيقي داخل الإدارة الأميركية أصبح أكثر حدّة مما يظهر في التصريحات الرسمية، وأن واشنطن بدأت ترسم خطوطاً حمراء أمام محاولات التأثير في خياراتها الاستراتيجية، حتى لو جاءت من أقرب حلفائها. عندها ستكون تصريحات فانس مؤشّراً على أن العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية ربما بلغت ذروة غير مسبوقة في عهد ترامب، لكن الذروة نفسها قد تكون بداية مرحلة جديدة من إعادة ضبط العلاقة، انطلاقاً من منطق "المصلحة الأميركية أولاً" الذي يرفعه تيار MAGA.
أما إذا كان فانس قد أطلق هذه المواقف من دون تنسيق كامل مع الرئيس، فالدلالة ليست أقل أهمية، بل ربما تكون أكثر إثارة. فهذا يعني أن الانقسام داخل الدائرة المحيطة بترامب أصبح عميقاً بين جناح يقوده فانس وأنصار "أميركا أولاً"، الذين يرفضون التورّط في حروب جديدة في الشرق الأوسط، وبين جناح آخر يضم المؤسّسة الأمنية وبعض رموز السياسة الخارجية التقليدية، الذين يرون في استمرار التحالف الوثيق مع إسرائيل ركناً ثابتاً في الاستراتيجية الأميركية. وفي هذه الحالة، ليس ما ظهر في بودكاست جو روغان سوى الجزء الظاهر من صراع أكبر يدور داخل الإدارة الأميركية نفسها حول هوية السياسة الخارجية في السنوات المقبلة.
في الحالتين، يصعب التعامل مع تصريحات جي دي فانس زلّة لسان أو انفعالاً إعلامياً. فهي تكشف أن العلاقة الأميركية - الإسرائيلية دخلت مرحلة جديدة، عنوانها الأساسي انتهاء الإجماع القديم، وبداية نقاش مفتوح حول حدود النفوذ الإسرائيلي، وأولويات السياسة الأميركية.