تصحيح مسار الثورة السودانية

25 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

يفيد تجدّد المظاهرات المطالبة بتصحيح مسار الثورة وإسقاط الحكومة في السودان بأن أوضاع الناس فيه لم تتحسّن كما كانوا يأملون، على الرغم من مرور أكثر من عام على إطاحة الثورة السودانية نظام الرئيس عمر البشير في إبريل/ نيسان 2019، حيث ما يزال الشعب السوداني يعاني أزماتٍ معيشية متفاقمة، تطاول قوته اليومي، ومستلزمات حياته اليومية وأساسياتها من خبز ووقود وكهرباء، فضلاً عن البطالة المقيمة بين أوساط الشباب وارتفاع نسبة التضخم وسوى ذلك. 

وحملت المظاهرات طابعاً رمزياً شديد الدلالة، كونها تزامنت مع الذكرى الـ 56 لثورة 21 أكتوبر (1964) التي أطاحت نظام الفريق إبراهيم عبود، ورفع فيها المتظاهرون شعارات تنادي بتصحيح مسار الثورة وتحقيق أهدافها، وتحقيق العدالة والمحاسبة والقصاص لشهداء مجزرة فض الاعتصام أمام مقر قيادة القوات المسلحة في الخرطوم في يونيو/ حزيران 2019، والكشف عن مصير المفقودين، إلى جانب تحسين الأوضاع المعيشية والاقتصادية التي أصبحت لا تُطاق، والحفاظ على السيادة الوطنية، واستعادة أموال السودانيين وممتلكاتهم المنهوبة وغير ذلك.

ما يزال الحراك الاجتجاجي في السودان يطالب بالانتقال نحو الحكم المدني، لكن العسكر يناورون في وقتٍ تشهد غالبية السودانيين تدهورا سريعاً في حياتهم المعيشية

لم تستطع الحكومة الانتقالية التي نتجت عن تقاسم السلطة بين العسكر والمدنيين تقديم الكثير للسودانيين، في ظل تحكم العسكر في مفاصل مهمة من السلطة، فالبرامج الإصلاحية الاقتصادية والسياسية التي أطلقها رئيس الحكومة الانتقالية، عبد الله حمدوك، لم تأت أكلها، إذ ما يزال الاقتصاد السوداني يعاني من نسبة تضخم غير مسبوقة تجاوزت 210% في سبتمبر/ أيلول الماضي، مع توقع انكماش اقتصادي قد يتجاوز نسبة 8% خلال العام الجاري. والأدهى أن الإدارة الأميركية أجبرت السودان على دفع 335 مليون دولار تعويضا لأسر ضحايا أميركيين سقطوا في هجمات إرهابية على سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا في العام 1998، مقابل رفع اسمه من قائمة الدول الراعية للإرهاب، إلى جانب ابتزازه وحثّه على التطبيع مع إسرائيل للإسراع للقيام بذلك، وهو ما تم فعلا، حيث جرى الإعلان مساء 23 أكتوبر/ تشرين الأول الحالي، عن هذا، في مقايضة أميركية رخيصة ومستترة، تلبية لحاجة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى إضافة تطبيع عربي آخر مع إسرائيل، يمكن أن يدعمه في سباق الانتخابات الرئاسية، في مقابل سعي السلطة في السودان إلى فكّ العزلة السياسية والاقتصادية عنها، وأملاً في حصولها على مساعدات، والسماح بتدفق الاستثمارات الموعودة إلى السودان، وذلك فيما الحكومة السودانية انتقالية، وتفتقر إلى التفويض الشعبي للقيام بخطوة التطبيع مع إسرائيل، ومع ذلك، فإنها تندفع نحوه في ظل ضبابية المشهد وتناثر الصلاحيات ما بين المجلس السيادي والحكومة والبرلمان.

تعتبر قوى الحراك السوداني أن القوى والأحزاب السياسية السائدة مفككة ومختطفة وعاجزة عن إصلاح نفسه

واللافت أن "لجان المقاومة"، المكونة من تجمعات شبابية وشعبية لقوى "إعلان الحرية والتغيير"، هي التي دعت إلى المظاهرات الاحتجاجية ونظّمتها، وسبق لها أن نظمت مظاهرة مليونية في 30 يونيو/ حزيران الماضي، وكان لها دور كبير في إسقاط نظام البشير، لذلك اضطر العسكر إلى القيام بحركة انقلابية على البشير، وأعلنوا انحيازهم للحراك الشعبي الثوري في ذلك الوقت. ومع ذلك، ما يزال الحراك الاجتجاجي في السودان يطالب بالانتقال نحو الحكم المدني، لكن العسكر يناورون في وقتٍ تشهد غالبية السودانيين تدهورا سريعاً في حياتهم المعيشية. 

ويأخذ الناشطون في حراك تصحيح مسار الثورة على السلطة عدم تلبيتها المطالب التي خرجت الثورة الشعبية من أجلها، بالنظر إلى انشغالها بالمحصاصات والمكاسب الضيقة على حساب الاهتمام بهموم المواطن السوداني وحياته، إذ انعكس الأداء الضعيف للحكومة والسياسات الفاشلة في الاقتصاد على تدهور قيمة العملة الوطنية، والوصول إلى الحضيض الذي يعيشه غالبية السودانيين، بسبب الغلاء الفاحش وتدهور الخدمات والرعاية الصحية. وبدلاً من أن تعالج الحكومة مشكلات السودانيين المعيشية المزمنة، راحت تدفع الأموال على أمور غير أساسية، تلبية لدول أجنبية. وكان الأجدى أن تصرف تلك الأموال على توظيف الشباب وتشغيلهم وعلى قطاعات الانتاج، وتحسين الخدمات والصحة والتعليم والمواصلات، على الرغم من أن السودان لم يتلق إلا القليل من الأموال الموعودة من السعودية والإمارات، إلا أن تلك الأموال على شحّها كان من الممكن استغلالها ضمن خطة إنتاجية وطنية.

البرامج الإصلاحية الاقتصادية والسياسية التي أطلقها حمدوك، لم تأت أكلها

وتعتبر قوى الحراك السوداني أن القوى والأحزاب السياسية السائدة مفككة ومختطفة وعاجزة عن إصلاح نفسها، ولذلك دعت إلى عقد مؤتمر وطني يضم كل القوى السياسية والمجتمعية، للتوافق على برنامج الفترة الانتقالية، وبمنأى عن النزعات الأيديولوجية والحزبية والجهوية، ومن دون إقصاء أحد، من أجل تصحيح مسار الثورة السودانية، والإسهام في إنقاذ السودان والوصول به إلى بر الأمان.

ويجادل بعضهم بأن الحكومة السودانية لا يمكنها أن تطوي ثلاثة عقود من الفساد المستفحل والأزمات المقيمة بين ليلة وضحاها، لكن ذلك لا يبرّر أن يلهث السودانيون وتنقطع أنفاسهم من أجل كسب قوتهم اليومي والحصول على الدواء، وبالتالي لا يمكنهم تحمّل تبعات دفع حكومتهم الأموال للأميركيين في انتظار الوعود بأيام أفضل. ولعل القدرات البشرية للسودان ليست بسيطة، فضلاً عن ثرواته الطبيعية وأهميته الجيواستراتيجية التي يمكنه الاعتماد عليها من أجل مستقبل أفضل، من خلال إطلاق برامج تنمية حقيقية، يحقق من خلالها كفاية شعبه واستقلال قراره الوطني، والخلاص من التبعية لأي طرف، ويحقق كذلك تطلعات ثورته وناسها.