تشرشل في مرّاكش

تشرشل في مرّاكش

05 مارس 2021
الصورة

لوحة تشرشل التي رسمها في 1929 وأهداها إلى روزفلت في مراكش في 1943 وبيعت أخيرا (Getty)

+ الخط -

لم يُكمل تشرشل رسمَه لوحته في مُقامه في مرّاكش، في قصة (أو نص) الكاتب المغربي، أنيس الرافعي، "الإزار الأبيض"، في مجموعته التي جنّسها "دليلا حكائيا متخيّلا"، وعنونَها "أريج البستان في تصاريف العميان" (دار العين، القاهرة، 2013). كانت الفرشاة تنطلق "طليةً عذبة"، غير أن الأمر يختلط على وينستون (يكتفي أنيس باسم تشرشل هكذا)، بين الحلقة في ساحة جامع الفنا في اللوحة مع الحلقة في الساحة نفسها، إذ "تلتقي نظرتُه داخل اللوحة بنظرته خارجها". وحتى يُسعف القاص الحاذق بطل النص، الزعيم البريطاني الشهير، ورئيس وزراء بلاده إبّان الحرب العالمية الثانية، والموصوف بالأسطورة وأسد بريطانيا، لإكمال لوحته القماشية، يجعله يجول في مرّاكش، مندسّا بين الحرفيين فيها، ومتلهيا بمراقبة "الهامات المتمايلة على قصائد الملحون والأغاني المشرقية القديمة". وبذلك يكون الذي في القصة تشرشل آخر، غير الذي زار مرّاكش ست مرات، ورآها "المدينة التي هبطت إلى الأرض من عالم الخيال"، و"أجمل الأماكن في العالم"، على ما أفصحت منقولاتٌ منسوبةٌ إليه، فقد كان هذا شغوفا بالمدينة المغربية الحمراء، يأنس إلى الإقامة في فندقها بالغ الفخامة، المأمونية (يعود إلى 1925)، والتفرّج على غروب الشمس فيها. ولم ينكتب أنه كان يأنسُ إلى ناسها، أو كانت تغشاه رغبةٌ بمعرفةٍ بهم، أو توثيق صلةٍ معهم.

لم تكتمل لوحة تشرشل في محكيّة أنيس الرافعي، أما لوحته "صومعة الكتبيّة" (جامع بناه الموحّدون في المدينة قبل أكثر من ثمانية قرون) فقد أتم رسمها في 1929، ثم أهداها إلى روزفلت، لمّا اصطحبه إلى مرّاكش، ليريه مغيب الشمس فوق جبال الأطلس، بعد أن أنهيا مشاركتهما (مع ديغول ومحمد الخامس) في مؤتمر أنفا (فندق) في الدار البيضاء في 1943. ثم أورثها الرئيس الأميركي إلى أحد أبنائه الذي باعها. ثم بيعت هذه اللوحة، ذات الألوان الفاتحة، غير مرّة، إلى أن اشتراها براد بيت الذي أهداها إلى زوجته (طليقته لاحقا)، أنجلينا جولي. ويوم الاثنين الماضي، باعتها النجمة السينمائية في مزادٍ في لندن. وكان متوقّعا أن تُشترى بنحو 2,8 مليون يورو، إلا أنها بيعت بـ 9,7 ملايين (من اشتراها؟). وفي المزاد نفسه، بيعت لوحةٌ أخرى، من أجواء مرّاكش أيضا، وثالثة غير مرّاكشية، للمحارب وثعلب السياسة، الضابط القديم في الجيش البريطاني، رئيس الوزراء مرّتين غير متتابعتين، أعظم بريطاني في كل العصور بحسب استطلاعٍ في العام 2002، حائز جائزة نوبل للآداب عن مذكّراته (ستة أجزاء) في 1953، الرّسام الذي أنجز نحو 530 لوحة، المحبّ للسلطة، الواسع الثقافة، المولع بالإستشراق. وإذا أردنا الإفاضة عن هذا الرجل المقيم في ذاكرة القرن العشرين واحدا من صنّاع أحداثٍ كبرى فيه، هو مدخّن السيجار الشره، والمفرط في شرب الكحول، والخطيب البليغ الذي وصفه مذيع أميركي بأنه جنّد اللغة الإنكليزية، وأرسلها إلى ساحات المعارك مع جيوش هتلر وموسوليني. أما الأهم الذي يحسُن أن نعرفه جيدا عن تشرشل، الكاتب والمؤرّخ (له كتابٌ عن المهدية في السودان)، فهو أنه كان شديد الحماس للصهيونية، ودافع بشدة عن وعد بلفور، لمّا كان وزيرا في عشرينيات القرن الماضي. ثم ناصر الهجرات اليهودية إلى فلسطين، ونعت رافضيها العرب بأنهم عنصريون، فيما أرشيفُه يضجّ بأسوأ النعوت العنصرية، ضد العرب "الذين يأكلون روث الجمال"، وضد الهنود "الحيوانات". وعلى ما كشفت وثائق، فإنه أراد استخدام غاز الخردل لقمع احتجاجات عشائر عربية وكردية في العراق في 1919. أما أن علاقةً غراميةً سرّية "آثمة" أقامها في الثلاثينيات مع سيدةٍ متزوّجة، على ما "كشف" فيلم وثائقي، فذلك ما لا ندسّ أنوفَنا فيه.

لا تفيد النّتف التي نقلت عن تشرشل بشأن مرّاكش بغير كَلَفِه بطبيعتها ووداعة شمسها، وقد سمّاها محبوبته، و"باريس الصحراء". عندما يكتُب في 1936 أن القادم إلى واحات النخيل، المتصلة بالصحراء، سينعُم بأشعة الشمس إلى ما لا نهاية، و"بمشهد جبال الأطلس الشامخة المكسوّة بالثلوج"، فكأنه يلوذ بمرّاكش من برد لندن ونقصان الشمس في أوروبا. لا تحضر مدينة المرابطين والموحّدين في أفهامه مدينة انفتاحٍ حضاريٍّ وإنسانيٍّ وثقافيٍّ راهن، كما رآها كتّابٌ وفنانون عديدون (أبرزهم الإسباني غويتسولو الذي أقام فيها). لا يحضر المرّاكشيون إلا بعيدين. وليس في وسع صاحب هذه الكلمات أن يُفتي بشأن لوحات الزعيم البريطاني المرّاكشية، لكن الظاهر أنها مغتبطة بالمكان، بالنور الذي فيه، كما الذي في لوحة "صومعة الكتبية" التي آلت مبيعةً في مزاد، بعد أن كانت هديةً إلى رئيسٍ أميركي، وهديةً إلى أنجلينا جولي من طليقها.