تشتت القوى المناهضة للانقلاب في تونس

تشتت القوى المناهضة للانقلاب في تونس

01 نوفمبر 2021
الصورة

تجمع احتجاجي في العاصمة تونس ضد إجراءات قيس سعيّد (26/9/2021/الأناضول)

+ الخط -

كلما تقدّم زمن الانقلاب في تونس، وابتعدنا عن تاريخ 25 جويلية (يوليو/ تموز)، اتسعت دوائر الخيبة والامتعاض. أدرك رئيس الجمهورية، قيس سعيّد، ذلك جيداً، ولو متأخّراً، فلم يفوّت فرصة إشرافه على مجلس الوزراء يوم الخميس الماضي، ولم يخف مشاعر المرارة، حينما خاطب الوزراء: "من هلّل ليوم 25 جويلية ينضم الآن إلى المعارضة"... لم يتساءل، علناً على الأقل، عن سبب اتساع دائرة من انفضوا من حوله. الأرجح أنّه تساءل في السر، ووجد الإجابة المعهودة: هؤلاء ليسوا نزهاء، انتصروا لمصالحهم، خانوا الأمانة، وربما يستحقون "التطهير" .. إلخ.
هذه الإجابات الجاهزة والسهلة هي التي تدفع الرئيس سعيّد إلى هدر جاذبيته، فكلّ المؤشّرات، بما فيها نتائج استطلاعات الرأي، على عللها، تشير إلى نسق الهدر الرمزي الذي يصيب شعبية الرئيس. لا شك أنّه يربح المعركة على الأرض، يتقدّم بسرعةٍ حثيثة للاستحواذ على الميدان: مؤسّسات مجمّدة، هياكل مشلولة وعديد منها تحت تصرّفه المباشر، وكثيرون من خصومه مرتبكون أو مرتعدون من إمكانية أن يكونوا عرضةً للمحاسبة القضائية بتهم مختلفة، لعل أهمها الفساد وسوء التصرّف في المال العام. لقد أشار، بشكل بارز، في إحدى خطبه إلى الأمين العام لحزب التيار الديمقراطي، غازي الشواشي، بشبهة فساد تعلقت باستئجار أراض  للدولة بثمن بخس، ما جعل الرجل ينفي هذا، ويدعو إلى الاحتكام إلى القضاء، وقد كان من وزراء حكومة إلياس الفخفاخ التي عين الرئيس أعضاءها بشكل كبير. وقد ساند إجراءات الرئيس، ثم ما لبث أن أبدى تحفّظاته، حتى انتهى إلى وصف "25 جويلية" بالانقلاب. وقد يكون هذا ما دفع الشواشي لاحقاً إلى القول إنّه مستهدف على خلفية تغيير مواقفه من الرئيس. وقد تدرّج الرجل في هذا الموقف، مثل غيره من القيادات الحزبية أو المدنية التونسية. وتكررت هذه الصورة، وإن ضمن مسارات وأنساق مختلفة مع غيره من قادة أحزاب ومنظمات مجتمع مدني.

عجزت المعارضة عن توحيد صفوفها، بل استغلت عطالتها السياسية لتصفي حساباتها حتى أنّها أبدت الشماتة والتشفي، فيما أصاب الشلل بعضها

يتوغل الرئيس سعيّد في "ميدان الحرب" من دون مقاومة تذكر، بل إنّ جبهات كثيرة تم إخلاؤها ودخلها مظفراً: أغلق مجلس النواب، ثم أغلق مقرّ الحكومة أكثر من شهرين، وعلّق تقريباً العمل بالدستور، وسنّ مرسوماً أمسك فيه بالسلطات الثلاث، وها هو يعد قانوناً جديداً للمجلس الأعلى للقضاء، وسط رفض القضاة، خشية أن يفقد القضاء استقلاليته.
مقابل تراجع جاذبية الانقلاب التي تتغذّى من تردّي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، خصوصاً في ظل ارتفاع الأسعار ومعضلات المالية العمومية وتفشي البطالة، لا شيء يشي بأنّ الرئيس قد يتنازل عن بعض ما ذهب إليه، حتى مطلب وضع سقف زمني لإجراءاته الاستثنائية لا يجد لديه صدىَ. كما أنّ ما يعدّه حواراً وطنياً يبدو أنّه لن يشمل الأحزاب أو المنظمات الوطنية، وسيكون مقتصراً على الشباب، ضمن مقاربةٍ يبدو أنّها ستقتصر على منصّات إلكترونية. 
مقابل هذا التصلّب، بدت المعارضة مشتّتة، غير قادرة على مواجهة هذه الإجراءات، وهي التي عجزت عن توحيد صفوفها، بل إنّها، في أحيانٍ كثيرة، استغلت عطالتها السياسية لتصفي حساباتها حتى أنّها أبدت الشماتة والتشفي، فيما أصاب الشلل بعضها، تنهمك الأحزاب في شيطنة بعضها بعضاً. مع ذلك، سجّلت البلاد تشكّل جبهات حزبية ومدنية، أعربت عن رفضها للانقلاب، وأصدرت بياناتٍ طالبت فيها رئيس الجمهورية بجدولة زمنية حتى تستعيد البلاد حياتها السياسية العادية، لكن لا أثر لهذه النداءات، ولا شيء يحرج الرئيس، حتى الضغوط الخارجية جوبهت بامتعاض، ما لبث أن استثمرها أنصاره، حتى بدت المعركة كأنها معركة تحرّر وطني، كما ذكر الرئيس نفسه مرّات عدة.

تحتاج الشعبويات، خصوصاً الانقلابات، حتى ترسخ، إلى تمويل سخي، وهو ما تفتقده الحالة التونسية

كانت للتظاهرات التي انتظمت خلال الأسابيع الماضية، على الرغم من أنها لم تتجاوز العاصمة، آثار مهمة داخلياً وخارجياً، إذ بيّنت أن الشعب منقسم، وأنّ لأنصار سعيد ما يضاهيهم أو ما يفوقهم ممن يناهضون الانقلاب. وغدت سردية "الشعب يريد" ملتبسة، ولا تترجم بالضرورة إرادة الرئيس سعيّد. مع ذلك، ليست موازين القوى حالياً لفائدة القوى المناهضة للانقلاب. ويبدو أنّ الزمان سيكون لفائدة هؤلاء خصوصاً في ظل تراكم الأعباء الاقتصادية والاجتماعية التي ستواجهها حكومة نجلاء بودن.
لن تكون السياسة ما سيُفشل الانقلاب هذه المرّة، بل الاقتصاد. تحتاج الشعبويات، خصوصاً الانقلابات، حتى ترسخ، إلى تمويل سخي، وهو ما تفتقده الحالة التونسية. كلّ المؤشّرات توحي بأنّ "الأشقاء والأصدقاء" غير مستعدّين أن يضخّوا مالاً وفيراً، من شأنه أن يؤبد جاذبية الانقلاب، بل الأرجح أنّه سيفقد بريقه بسرعة، تحت الأخطاء الجسيمة التي يرتكبها أنصار سعيّد، وهم ينصتون إلى الرئيس يصف فيها خصومه بالفئران والجرذان والفيروسات والشياطين، حتى أنّه دعا، أخيراً، إلى تطهيرهم.