تشاؤم متزايد بشأن مستقبل العمل المناخي العالمي
دا سيلفا و أنطونيو غوتيريش مع المشاركين في قمّة المناخ في بيلم بالبرازيل (7/11/2025 Getty)
تشير نتائج مؤتمر المناخ Cop30 في مدينة بيلم البرازيلية ٳلى اتفاق غير كافٍ جرى التوصل ٳليه دون مستوى الطموح المناخي في مواجهة التحديات الملحة المتعلقة بتغيير المناخ، حيث جرت صياغة زيادة التمويل للتكيف. ولكن هذا لم يأخذ في الاعتبار حجم المشكلات والخلافات والانقسامات الٳقليمية الاستثمارية للخروج ٳلى نموذج آخر غير الوقود الأحفوري بشكل واضح. وهو العامل الرئيسي الذي يؤدّي ٳلى ارتفاع درجة حرارة الأرض، ويمنع التحوّل نحو الطاقة المتجدّدة والتقدم في الوعي البيئي الجماعي الذي يتعلق بمستقبل الحياة على كوكب الأرض، ما أثار غضب عديد من الدول والبيئيين.
كان من المفترض أن تقدّم القمة نموذجاً تقدّمياً من العمل في مكافحة الاحتباس الحراري، ولا سيما لجهة اختيار البرازيل وسط غابات الأمازون في توظيف عناصر الرمزية البيئية والمناخية، وتذكيراً بقمّة الأرض في ريو دي جانيرو 1992، لمناقشة مخصّصة للتمويل وحماية الغابات والتعاون الدولي، حيث يشكّل الحفاظ على الأمازون اختباراً حقيقياً للقدرة على التوفيق بين التنمية وحماية البيئة. غير أن هذا اللقاء عقد في ظل تشاؤم متزايد بشأن مستقبل العمل المناخي العالمي، ولم تحدّد مؤتمرات الأطراف أجندة جديدة تتوافق مع حاجات الكوكب، فالبيئة قضية تهم الجميع، وتتعلق بضمان ٳنقاذ الحياة (13 مليون حالة وفاة في العالم كل عام لأسباب بيئية) والماء والهواء، وتتجاوز نقاط الخلاف في المفاوضات، من خلال استبدال صراع مصالح الدول بسلسلة من المناقشات بشأن مصالح الطبيعة. ومن شأن هذا الأمر أن يزيد من احتمالية استدامة الالتزامات واستبدال النيات السياسية في التزامات قانونية وٳطار مسؤول من المعايير والمؤسّسات لضمان هذا الهيكل البيئي. ولن يغني ذلك بالضرورة عن الٳجراءات قصيرة الأجل، في الٳشارة ٳلى المساهمات المحددة وطنياً، والالتزمات التي يتم تحديثها بانتظام.
تكافح حكومات عديدة لمواجهة التحدّيات المناخية وتفلت الشركات الكبرى من تعهداتها بتقليل الانبعاثات الكثيفة الكربون
الهدف بعيد المنال في التحوّل الحقيقي، مع استمرار الخلافات بشأن قضايا التمويل والالتزام بتخفيض الانبعاثات، ولا يزال الوقود الأحفوري المسيطر، رغم انخفاض حصّته في ٳمدادات الطاقة العالمية من 83% عام 2015 ٳلى 80% عام 2024، ومن دون وضع ٳضافة خاصة تسمح بالتخلص منه، ما يُبقي المعركة مفتوحة مع حجم الضغوط على الجهد المبذول سياسياً للانتقال من الطاقة التقليدية ٳلى الطاقة الشمسية والرياح والبطاريات. ولا يوجد بديل عنه في الطاقة المنخفضة الكربون، ولو ارتفعت مبيعات السيارات الكهربائية بنسبة 3300%، لكن هناك عقبات سياسية واقتصادية كثيرة. ومن التحدّيات توسيع شبكات الكهرباء وتخزينها، وتعزيز سلاسل التوريد، وزيادة التمويل لصالح الاقتصاديات النامية، أو مفاوضة جماعات الضغط المؤيدة للوقود الأحفوري.
ومن المتوقّع أن يستمر الطلب على الطاقة، وبالٳضافة ٳلى القطاعات التقليدية، سيُعزى هذا النمو ٳلى الطفرة المتوقّعة في الذكاء الٳصطناعي، وتكييف الهواء، وزيادة صادرات الوقود، وتكمن النقاط الصعبة في الطلب والنقلين، البحري والجوي، ما يؤدّي ٳلى زيادة مستوى الانبعاثات. لكن ما هو أكثر غموضاً سياسي بالدرجة الأولى، بعد عشر سنوات من اتفاقية المناخ في باريس.
في المقابل، الظروف البشرية صعبة. تختفي المحيطات، الحرّ الشديد، الأمطار الغزيرة، الحرائق الهائلة، ومنها حريق أدّى ٳلى توقف المحادثات نفسها، الفيضانات، الزلازل والبراكين، الجفاف، اختفاء الأنهار الجليدية، تحوّل الغابات ٳلى سهول سحيقة، موت الشعب المرجانية. فيما ينصب اهتمام كبرى وسائل الٳعلام على نمو النتاتج القومي والديون والهجرة.
لم يكن الزخم كافياً في البرازيل لتشكيل خريطة طرق للتخلص من الوقود الأحفوري
لم يعد الأمر يتعلّق بٳثبات أن الوضع لا يحتمل، وضرورة مواجهة أيديولوجية الرئيس الاميركي دونالد ترامب برفضه قضية تغيّر المناخ ومعه موجة جديدة من منكريها، وتلاعب اليمين المتطرّف لحشد ناخبيه ضد حماية البيئة وعدم السماح للسياسات البيئية بتطوير منظورها واستراتيجيتها لتغيير المشهد الاقتصادي والبيئي معاً. ولا يظهر الوعي الجديد في اليسار حول الحقائق الطاغية، وأحلامه تصطدم بالواقع، على الرغم من أنه سيكون من الذكاء سياسياً التحوّل المناخي وتعزيز الطاقة النظيفة والقضايا القانونية البيئية (دعاوى محكمة العدل الدولية في لاهاي) لكسر الجمود، وجعل الحكومات مستعدّة للتحرك بحزم تحت ضغط شعوبها في سياسات متوافقة مع النمو والابتكار والأمن والسيادة. مع ذلك، تطغى اليوم اهتماماتٌ أخرى غير بيئية، مثل سباقات التسلح والتكوينات الجيوسياسية مع الحروب القائمة وتحويلها، ولا سيما الحروب التجارية التي أطلقها ترامب، وفرضت على الاتحاد الأوروبي شراء 750 مليار دولار من الهيدروكربونات الملوثة بشدّة، ولجهة السياسة المزدوجة للصين التي تجمع بين حالها أكبر ملوّث ووضعها المهيمن في الصناعات الخضراء والطاقات الشمسية والريحيّة.
لذلك، تكافح حكومات عديدة لمواجهة التحدّيات المناخية وتفلت الشركات الكبرى من تعهداتها بتقليل الانبعاثات الكثيفة الكربون، وتكافح أكثر لمواجهة أي تراجع في الاهتمام بتغيير المناخ عبر ٳثارة قضايا كثيرة تتعلق بٳعادة تنشيط التعدّدية حول الطوارئ المناخية بعيداً عن الولايات المتحدة بدعم من دول الجنوب. وقد نشرت أطراف ومدن عديدة مساهماتها للعام 2035، التي تعد بتقليل الانبعاثات الكربونية بمعدل 12%. هذا مهم لو جرى الالتزام به، وسيكون تحوّلاً تاريخياً، لكنه ما زال يلاقي معارضة من كبار منتجي النفط، بالٳضافة ٳلى الدول النامية وأفريقيا وغيرها، التي ترى أن هذا الأمر يفرض أعباء ٳضافية على نموها الاقتصادي. والأمر لن يحدُث من دون الولايات المتحدة وأوروبا، ولن يمثل الطموحات البيئية.
المفترض أن تكون الأمور مختلفة في طبيعة الاجتماعات المعقدة منذ 30 عاماً، أو في عملية اتخاذ القرارات، حيث أطلق منتدى مناقشة التوترات التجارية والمناخية المتزايدة، وصندوق لحماية الغابات الاستوائية بقيمة 5.5 مليارات دولار. وهي خطوة صغيرة أكثر من كونها قفزة شاملة، بعيداً عن الوقود الأحفوري، تحيط بها عقباتٌ مثل تراجع أسهم شركات الطاقة، وأسئلة صندوق النقد الدولي بشأن سداد الدين، ومخاوف وكالات التصنيف الائتماني بشأن تقييمات الاستثمار. ومن دون ٳطار دولي شامل لهذا الانتقال من سيضع اقتصاده في دائرة الخطر؟
المعركة مفتوحة مع حجم الضغوط على الجهد المبذول سياسياً للانتقال من الطاقة التقليدية ٳلى الطاقة الشمسية والرياح والبطاريات
لم يكن الزخم كافياً في البرازيل لتشكيل خريطة طرق للتخلص من الوقود الأحفوري. كان يمكن أن يحدث هذا مع وجود الدول الصناعية الكبرى. ويحتفظ الجميع في أذهانهم بكيفية قيام الولايات المتحدة الأميركية بٳفشال اتفاق عالمي يهدف ٳلى تقليل انبعاثات السفن من خلال الضغط على الدول المتفاوضة، أو من خلال كسر رغبة بقية العالم (البرازيل والهند والدول الأفريقية) في التقدّم بقضايا غالباً ما يجري تجاهلها، مثل التكيف مع أثار الاحتباس الحراري. فيما تسعى الصين إلى المشاركة بقوة للتسويق وزيادة صناعة الطاقة الشمسية. لكن الأخيرة أدّت ٳلى ارتفاع أسعار الكهرباء، وساهمت في عدم التمكّن في المناطق الريفية، التي لا تستفيد من مساعدات الدولة المالية، وتذهب الأرباح إلى الخارج، وتعزّز الفجوات الاجتماعية والٳقليمية.
ستكون السياسة التقدمية اجتماعية وبيئية، ويمكن ٳعادة توحيد التمويلات العامة المخصصة في تغيير النموذج نحو دعم الأسر الأكثر فقراً وتواضعاً، ونحو الشركات لتسريع عملية ٳزالة الكربون والانبعاثات ٳلى الثلث. بهذه الطريقة، يمكن الجمع بين العدالة الاجتماعية والفعالية المناخية والسياسة الطاقية في حوارات التقارب بين المصالح المتضاربة، وصناعة مقترحات مقبولة لدى الأغلبية وتقديم رؤى ٳيجابية ومرغوبة في المستقبل، وٳقناع السكان بالتخلي عن الشعبوية والوعود الكاذبة قبل أن تنطفئ الأنوار.