ترامب ونهاية البيريسترويكا الأميركية

14 ديسمبر 2020
الصورة

أنصار ترامب يحتجون في واشنطن على قرار للمحكمة العليا (12/12/2020/ Getty)

+ الخط -

لم يشهد التاريخ الأميركي الحديث معركة شرسة بهذا الحجم، كما حدث في الانتخابات الرئاسية أخيرا بين الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب والرئيس الفائز جو بايدن. لا يتعلق الأمر فقط بخلافاتٍ بين رئيسين ينتميان إلى حزبين مختلفين، وبتبايناتٍ حول البرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولا يتعلق الأمر فحسب بشخصية ترامب غير المتزنة وسلوكه الفجّ واندفاعاته الحمقاء، ولا بخطابه الشعبوي ونزعته العنصرية التي تذكّرنا بالاستعارات المناهضة للكاثوليك من البروتستانت نهاية القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر.
الصراع مع الدولة العميقة
مع أهمية الأسباب السابقة وخطورتها، تكمن أهمية الانتخابات الرئاسية التي انتظمت الشهر الماضي (3 نوفمبر/ تشرين الثاني) في أنها شكّلت فرصة تاريخية لإنهاء الصراع بين الرئيس و"الدولة العميقة"، صراع نجم عن محاولة ترامب (في سابقة لم يعهدها التاريخ الأميركي المعاصر) القضاء على سلطة "الدولة العميقة"، وهي محاولةٌ ليست تعبيرا عن حالة متفردنة (ترامب) بقدر ما هي انعكاس لتيار واسع يضم حركة الشاي المتجذّرة في الحزب الجمهوري المكونة من شعبويين يمينيين ونشطاء محافظين من جهة، واليمين المسيحي (البروتستانت الإنجيليون البيض) المتحالف مع اليمين اليهودي من جهة ثانية، واليمين البديل الداعم لسيادة البيض من مجموعات الكراهية في اليمين المتطرّف من جهة ثالثة.

محاولة إضعاف مؤسسات "الدولة العميقة" وتهشيمها نوع من إجراء قطيعة سياسية ـ بيروقراطية مع تقليد لم يعد في الإمكان تجاوزه

عمل ترامب مع هذا التيار على إضعاف النموذج التقليدي الذي ساد في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية للأمن القومي الأميركي، عبر إضعاف المؤسسات التي تمثل هذا التقليد (وزارة الخارجية، وزارة الدفاع، مجلس الأمن القومي، المخابرات المركزية، البنك الفيدرالي الاحتياطي). وقام لأجل ذلك بخطوات عملية، تمثلت في منع مسؤولين مهنيين من الاطلاع على مذكرات المحادثات التي كُتبت بعد تحدّث كبار المسؤولين مع الزعماء الأجانب، وكانت هذه المذكّرات تستخدم تقليديا لمساعدة صغار المسؤولين على إصدار التوجيهات لموظفي السفارات في العالم. ثم عيّن عشرات الشخصيات من خارج المؤسسات الخمس على أساس الولاء له، الأمر الذي ترتّبت عليه هجرة جماعية، خصوصا في الخدمة الخارجية. ولهذه المؤسسات قوة هائلة في صناعة السياسات الخارجية والداخلية ورسمها، ولديها قدرة كبيرة على موازنة طموحات البيت الأبيض التي قد تتعارض مع المصالح العميقة للولايات المتحدة. وتمتلك هذه المؤسسات نخبة واسعة جدا من المسؤولين الحكوميين والمفكرين الاستراتيجيين وأساتذة جامعات ومراكز بحوث وجنرالات متقاعدين.

 شهد مكتب الأمن القومي استقالة ثلاثة مستشارين: مايكل فلين، ثم هربرت ماكماستر، ثم جون بولتون، ليحل محله روبرت أوبراين

محاولة إضعاف مؤسسات "الدولة العميقة" وتهشيمها نوع من إجراء قطيعة سياسية ـ بيروقراطية مع تقليد لم يعد في الإمكان تجاوزه. ومن هذا المنطلق، كشر رجالات "الدولة العميقة" عن أنيابهم في وجه ترامب، وبدأوا حربهم الهادئة أولا بتسريبهم معلوماتٍ سرّية محرجة للبيت الأبيض، وثانيا من خلال الالتفاف على قرارات الرئيس، مثل مواصلة الجيش الأميركي إجراء مناورة عسكرية مع كوريا الجنوبية كان ترامب قد ألغاها، ومفاوضات الدبلوماسيين الأميركيين مع حلف شمال الأطلسي (الناتو) من دون علم ترامب، والتوافق بين مسؤولي الوكالة الخارجية للمساعدات مع الكونغرس، لتجاوز قرار ترامب تجميد المساعدات الخارجية. بل وصل الأمر إلى حد تعطيل إنتاج لقاح مضاد لكوفيد ـ 19، ما دفع ترامب إلى اتهام أعضاء من "الدولة العميقة" في إدارة الغذاء والدواء بالعمل على إبطاء اختبارات اللقاحات، وتأخيرها إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية. وقد دفعت هذه الهجمات العنيفة التي بدأت منذ نحو عامين ترامب في 19 أكتوبر/ تشرين الأول 2019 إلى كتابة تغريدة على "تويتر" يدعو فيها إلى وقف الانقلاب الذي قامت به "الدولة العميقة" لعزله قبل انتهاء مدة ولايته.
إقالات واستقالات
شكلت الإقالات والاستقالات الجماعية لكبار المسؤوليين سابقة من نوعها منذ تأسيس الدولة الأميركية، ودليلا على الخلافات الحادّة التي يمكن إبراز تجلياتها:
ـــ سعى ترامب إلى إعادة بناء الاقتصاد الأميركي وفق شعار "أميركا أولا"، بمعنى اتخاذ قرارات اقتصادية على الصعيد الخارجي، تخدم الولايات المتحدة، بغض النظر عن المصالح المتشابكة بين الولايات المتحدة والدول الاقتصادية الكبرى في العالم، مثل الصين التي فرض على وارداتها رسوما جمركية. وتركيز ترامب على الاقتصاد الصناعي ـ التجاري للولايات المتحدة بدلا من الاقتصاد المالي جعله يدخل في صراع مع قرارات البنك الفيدرالي الاحتياطي في رفع معدل الفائدة، وهو البنك الذي يتمتع باستقلال في اتخاذ قراراته. كما جعله يدخل في صراع مع البنوك الكبرى على خلفية قراره فرض رسوم جمركية جديدة على واردات الصلب والألمنيوم، ما دفع مستشاره الاقتصادي والرئيس السابق لبنك الاستثمار غولدمان ساكس إلى ترك منصبه.
ـــ استئثار ترامب باتخاذ قرارات على مستوى السياسة الخارجية يخالف التقليد الأميركي في صناعة القرار، وكانت استقالة وزير الخارجية، ريكس تيلرسون، تعبيرا عن التوتر بين الخارجية والبيت الأبيض حيال التعاطي مع ملفات خارجية حساسة، مثل إيران وكوريا الشمالية.

اتهم ترامب "الدولة العميقة" في إدارة الغذاء والدواء بالعمل على إبطاء اختبارات اللقاحات، وتأخيرها إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية

ـــ سحب ترامب التصريح الأمني من مدير وكالة الاستخبارات المركزية، جون برينان، ومنعه من الوصول إلى بعض الوثائق السرية، ثم طرد مدير المخابرات الوطنية، دان كوتس، في منتصف أغسطس/ آب 2019، بسبب اختلاف الرؤى حول ملفات خارجية.
ـــ استقالة وزير الدفاع الأميركي، جيمس ماتيس، من منصبه بعد يوم على قرار ترامب المفاجئ الانسحاب العسكري من سورية.
ـــ شهد مكتب الأمن القومي استقالة ثلاثة مستشارين له: استقالة مايكل فلين مطلع 2017 بعد 22 يوما من عمله مستشارا للأمن القومي، ثم استقالة خلفه هربرت ماكماستر بعد مدة وجيزة، ليعين محله جون بولتون الذي استقال في سبتمبر/ أيلول 2019 بسبب الخلاف حول طريقة التعامل مع حركة طالبان، ليحل محله روبرت أوبراين. 
ولم تكن هذه الإقالات والاستقالات وغيرها مجرد خلافات عابرة، بقدر ما هي انعكاس لخلافات عميقة بين من يريد أن يربط الاقتصاد بالقوة العسكرية الأميركية (الدولة العميقة) ومن يريد أن يفكّ الترابط بينهما والاكتفاء بالتفوق السيبراني (ترامب)، بين من يريد المحافظة على مكانة المحكمة العليا ضامنا للديمقراطية والليبرالية والعلمانية (الدولة العميقة)، ومن يريد إضعاف المحكمة لصالح المؤسسات الدينية (ترامب)، بين من يريد المحافظة على الدولة الإدارية (الدولة العميقة)، ومن يريد تفكيكها (ترامب)، بين من يعتبر روسيا هي العدو (الدولة العميقة)، ومن يعتبر الصين هي العدو (ترامب).
ينتج عن هذه الاختلافات بالضرورة تغيير استراتيجي في السلوك الأميركي، الداخلي والدولي، من شأنه أن يغير من موضعة الولايات المتحدة على الخريطة العالمية.
البروتستانت البيض
اللغة الشعبوية التي ميزت خطاب ترامب لا تخرج كذلك عن هذا الصراع، بل هي أحد تعبيراته العنصرية، بين من يريد إبقاء البلاد مكانا للعقول من الجنسيات والأديان والأعراق المختلفة (الدولة العميقة) ومن يريد إعادة النقاء البروتستانتي الأبيض للولايات المتحدة (ترامب). وقد عرّف المستوطنون الأوائل أميركا بلغة العرق والإثنية والثقافة والدين، على ما يقول المفكر الأميركي، صموئيل هنتنغتون، ثم كان عليهم أن يعرفوها في القرن الثامن عشر أيديولوجيا لتبرير استقلالهم عن مواطني بلدهم الأصلي إنكلترا. وظلت هذه المكونات الأربعة جزءا من الهوية الأميركية في معظم القرن التاسع عشر، القرن الذي أنشأ فيه الإنجيليون هيمنة اجتماعية وثقافية للبروتستانتية في الولايات المتحدة، بحيث شمل التأثير البروتستانتي عالم التربية والتعليم الديني، وامتد إلى وسائل الإعلام والجمعيات والحركات المطالبة بالإصلاح الأخلاقي والاجتماعي. وكانت ذروة البروتستانتية شبه المؤسسة بين عامي 1815 ـ 1860، قبل أن تتراجع نتيجة تحدّيات عدة، أهمها تزايد أعداد المهاجرين الكاثوليك.

هنالك من يريد إبقاء البلاد مكانا للعقول من الجنسيات والأديان والأعراق المختلفة (الدولة العميقة)، ومن يريد إعادة النقاء البروتستانتي الأبيض للولايات المتحدة (ترامب)

حاول الإنجيليون الحفاظ على الهيمنتين، الاجتماعية والثقافية، البروتستانتيتين، لمنع الكاثوليك من الهيمنة، لكن تطوّر مؤسسات الدولة والتطور المجتمعي وظهور اقتصاد مفتوح، جعلت المكون الإثني يتسع نهاية القرن التاسع عشر ليشمل الألمان والأيرلنديين والاسكندينافيين. وبحلول الحرب العالمية الثانية، واندماج مهاجرين أوروبيين كثيرين في المجتمع الأميركي، اختفت الإثنية بوصفها مكونا محدّدا في الهوية الوطنية، ليبقى الصراع بين البيض والسود قائما حتى ستينيات القرن الماضي مع إنجازات حركة الحقوق المدنية ومرسوم الهجرة لعام 1965.
بعد إنهاء أزمة السود تلاشى المكون العرقي، وأخذت الهوية الأميركية تعرف بلغة الثقافة والميثاق بحلول سبعينيات القرن العشرين، لكن مشكلة أخرى ظهرت، تتعلق بالمهاجرين الذين ما يزالون يحافظون على هوياتهم السابقة، ولم يندمجوا في الثقافة الأميركية، الأمر الذي دفع صموئيل هنتنغتون عام 2004 إلى تأليف كتاب بعنوان، "من نحن؟".
من نحن؟
ظهور نزعة تفكيكية تسعى إلى تعزيز مكانة المجموعات الفرعية في المجتمع الأميركي ظاهرة متوقعة بالنسبة لهنتنغتون، لكن الغريب، من وجهة نظره، أن هذه النزعة اللاشعورية عند العامة تحولت إلى نهج سياسي عند القادة السياسيين والحكوميين الذين شجّعوا الإجراءات التي تستهدف إضعاف الهوية الثقافية الميثاقية لصالح الهويات الفرعية، إنها إحدى سوابق التاريخ الإنساني أن يعمد فيه القادة إلى تفكيك الأمة.
لا يقتصر بروز التفكيكية والهويات الفرعية على دور النخب السياسية الحاكمة، بل ثمّة سببان موضوعيان لهذه الظاهرة: أولا، انتهاء الحرب الباردة التي ألغت السبب القوي لإعطاء الأولوية للهوية القومية على حساب الهويات الفرعية الأخرى. وثانيا، الحطّ من المشروعية الرسمية للعرق والإثنية مكونين للهوية القومية في قوانين الحقوق المدنية.

ظهرت مشكلة تتعلق بالمهاجرين الذين ما يزالون يحافظون على هوياتهم السابقة، ولم يندمجوا في الثقافة الأميركية

وإذا كان هنتنغتون لم يجب على سؤاله، "من نحن؟"، فقد تطلب الأمر مرور نحو 15 عاما إلى حين وصول ترامب إلى البيت الأبيض، ليجيب على هذا السؤال. بالنسبة لترامب، تمثل الـ "نحن" فقط الأميركي الأبيض البروتستانتي الإنجيلي، صاحب البلاد الحقيقي والمُنشئ الفعلي لهذه الأمة. أما الآخرون فليسوا سوى دخلاء، سمحت لهم القوانين أن يصبحوا جزءا من المجتمع الأميركي ويتمتعوا بحقوق مدنية وسياسية، وهذه الحقوق بالنسبة لترامب كافية لهم، ولا يجب أن تتطوّر لتصل إلى حد المطالبة بالمناصب العليا في البلاد.
بدأت خطوات ترامب بتضييق الهجرة في الأسابيع الأولى من وصوله إلى الرئاسة، ثم انتقل إلى ممارسة الضغوط على الشركات لمنع توظيف غير البيض، ثم انتقل إلى التهديد بترحيل الطلاب الأجانب، وانتهى بإضفاء الشرعية على ممارسات الشرطة العنصرية بحق السود، أو غيرهم ممن هم ليسوا من البيض. وقد شكلت هذه الخطوات رعبا للديمقراطيين ولسياسيين من الحزب الجمهوري وللمؤسسات الأميركية الحاكمة وللنخبة الأكاديمية وللرأسماليين على السواء. ووفقا لذلك، لم يكن مصادفة أن يصوّت الإنجيليون لصالح ترامب، حيث يلتقون معا في دعم إنفاذ القانون وأمن الحدود، ومعارضة احتجاجات حركة "حياة السود مهمة"، والحذر من المهاجرين، والفهم القومي المسيحي لأميركا.
تقول المؤرخة الأميركية، كريستين دي ميز، المتخصصة في علاقة التيارات المسيحية الأميركية بالشؤون السياسية، إن الإنجيليين المحافظين يرغبون بالقيادة الأبوية، ما يطلق عليه "جزء من خطة الله للبشرية"، وقد أصبح كثيرون يعتقدون أن الرجولة الخشنة التي يغذّيها هرمون التستوستيرون مطلبهم الرئيس لممارسة تلك القيادة في عالم غادر. وقد لعب ترامب على الوتر الديني كثيرا لاستمالة الإنجيليين، من خلال تعيين باولا وايت مستشارة روحية، وهي التي قالت "إن لدى ترامب علاقة شخصية مع الرب يسوع.. وحين أطأ أرض البيت الأبيض، فإن الرب يطأ أرض البيت الأبيض، ولديّ كامل الحق والسلطة لأعلن البيت الأبيض أرضا مقدّسة، لأنني كنت أقف هناك، وكل مكان أقف فيه هو مكان مقدس".

لعب ترامب على الوتر الديني كثيرا لاستمالة الإنجيليين، من خلال تعيين باولا وايت مستشارة روحية، وهي التي قالت "إن لدى ترامب علاقة شخصية مع الرب يسوع"

مع انتهاء مرحلة ترامب، تكون البيريسترويكا الأميركية التي حاول تطبيقها قد انهارت لصالح "الدولة العميقة"، على الأقل مؤقتا، لكن تأثيرات هذه المحاولة ستظل باقيةً بانتظار متغيرات كبيرة قد تعيدها بقوة مرة أخرى على يد شخص آخر.
لقد أظهرت الانتخابات الرئاسية أخيرا انقساما حادا ومتساويا في المجتمع، بحيث لا يجب النظر إلى أرقام المصوتين لترامب ولبايدن من منظور التصويت الانتخابي، وإنما من منظور القضايا الاجتماعية: في الحالة الأولى، تشكل الملايين الخمسة الفارقة بين ترامب وبايدن رقما كبيرا في لغة الانتخابات، لكنها تشكل تساويا في القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وهذا هو السبب الذي دفع صحيفة واشنطن بوست إلى القول إن "الترامبية فكرة لا تموت ولو فاز بايدن"، والذي دفع كاس موده وكريستوبل كالتواس إلى القول إن تأثير حركة "حزب الشاي"، التي دعمت ترامب عام 2016، سيبقى قائما.
وإذا كانت نهاية الحرب الباردة سببا في غياب الهوية القومية أو إضعافها، كما ذكر أعلاه، فإن البحث عن عدو خارجي قد يبدو ضروريا للولايات المتحدة في مرحلةٍ ما، وسيكون من المفارقة أن الديمقراطيين هم من سيعلنون الحرب على العدو المقبل، لا الجمهوريين، بسبب رغبتهم في توحيد الأميركيين أمام عدو خارجي، سيكون له الفضل في إعادة تفعيل بوتقة الصهر الثقافية للأميركيين.