ترامب والهَوَس المَرَضي بـ"نوبل"
كثيرون في العالم، والمنطقة أيضاً، لا يعرفون شيئاً عن الكاتب النرويجي كنوت هامسون، ولا يُلامون في هذا لأسباب متعدّدة، بعضها بالغ التعقيد ويتعلّق برغبة بلاده نفسها، ونُخبها، في نسيانه والتبرّؤ منه، رغم أنه حاز أرفع جائزة أدبية في العالم (جائزة نوبل في الآداب) عام 1920.
كان هامسون، الذي نشأ في بيئة بالغة الفقر، نازي الهوى، وعنصرياً من الأساس حتى قبل صعود النازية في أوروبا؛ فالبشر بالنسبة إليه "درجات"، و"ليسوا متساوين في الذكاء". وخلال الحرب العالمية الثانية، التقى هتلر ووزير دعايته جوزيف غوبلز عام 1943، وأهدى الأخير جائزة نوبل، التي كان ثاني نرويجي ينالها في تاريخ بلاده.
يعود إعجاب هامسون بهتلر إلى نفوره الشخصي من المادّية المتطرّفة للحضارة الحديثة التي "لوّثت الحياة الإنسانية"، ورؤيته أن الزعيم النازي يمتلك مشروعاً مضادّاً وقادراً على إقامة مجتمع جديد متحرّر من أمراض هذه الحضارة المادّية. ويرى بعض دارسي هامسون، صاحب رواية "الجوع"، أن سنوات طفولته القاسية، إضافة إلى إصابة بعض أفراد عائلته بالجنون، ألقت بظلالها القاتمة والسالبة على كتابته وانحيازاته السياسية التي حوكم بسببها بعد نهاية الحرب، قبل أن يُودَع مصحّة للأمراض العقلية.
يُستدعى هامسون حالياً على إيقاع اشتداد هَوَس الرئيس الأميركي بجائزة نوبل للسلام، التي مُنحت للفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو، فما كان منها إلا أن أهدته إياها، لكن ذلك لم يُطفئ نيران غضبه على اللجنة والنرويج نفسها، وبقية الدول إن شئت. ترامب ليس غوبلز بالتأكيد، وماتشادو ليست هامسون، بل مجرّد متملّقة سبق للرئيس الأميركي نفسه أن وصفها بأنها لا تحظى باحترام شعبها.
قبل أيام، وجّه ترامب رسالة غير مسبوقة إلى رئيس الوزراء النرويجي، يحمّله ضمنياً تداعيات عدم منحه الجائزة، ومنها أنه لم "يعد ملزماً بالعمل فقط من أجل السلام" بعد قرار النرويج عدم منحه الجائزة، وذلك يعني (جزئياً على الأقلّ) أن العالم لن ينعم بالأمن طالما أن غرينلاند ليست في حوزة واشنطن... يتناسى ترامب، وربما لا يعلم أصلاً، أن لجنة "نوبل" مستقلّة تماماً عن الحكومة النرويجية، رغم اتهامها بالانحياز، وكثير منه يتعلّق بمفهوم المركزية الغربية، وبالتسييس في هذا الملفّ أو ذاك، وبشأن هذا الفائز أو سواه، لكنّه بهذا يعرّض نفسه للسخرية عبر العالم، لتغليبه نزعاته الطفولية الاستحواذية على مقتضيات منصبه، ما يجعله مكشوفاً سيكولوجياً وزعيماً قابلاً للرُّشا التي تداعب نرجسيته الجريحة، من مثل افتنانه بالتملّق، وتطلّبه للحبّ والإعجاب، على نحو يثير الشفقة.
ومعلوم أن من حقّ الفائز بأي من فروع جائزة نوبل التصرّف بقيمتها المادية على النحو الذي يرتئيه، وبعضهم تبرّع بها لضحايا الحروب وبالميدالية نفسها، وبعضهم باعها لهذا الغرض أو أهداها لسواه كما فعل الكاتب النرويجي هامسون؛ لكنّ ذلك لا يعني انتقال الجائزة نفسها (الامتياز العالمي والاعتراف بالتميّز الاستثنائي) من الحائز الأصلي إلى غيره بالإهداء أو البيع، فالجائزة بهذا المعنى حقّ أصيل وحصري.
يعرف ترامب ذلك، وتعرفه ماتشادو التي دخلت البيت الأبيض من الباب المُخصَّص لعمّال توصيل الطعام والطلبات عندما أهدت ترامب جائزتها، ما يعني أننا أمام مسرح عبثي وهزلي في آن. فعلى أحدهم أن يُشبع غرور الرئيس الجريح، المطعون في نرجسيته المتضخّمة، ويربت على كتفه المرّة تلو الأخرى، وإلا فإنه سيكسّر كل الخزفيات في الجوار، وربما يقصف بعض الدول. وإذا أصبحت هذه قاعدة للتعامل مع ترامب، وهذا منتهى الشذوذ في العلاقات الدولية، بل في الأنظمة غير المكتوبة التي تحكم العلاقات بين بائعي الفلافل والسجق، فإن سؤالاً مثل: لماذا لا تُمنَح غرينلاند للولايات المتحدة، يغدو منطقياً. فلا توجد "أي وثيقة مكتوبة" تثبت أن الجزيرة تابعة للدنمارك، بحسب ترامب، وإذا كان الأمر يتعلّق بقارب (دنماركي) رسا هناك قبل مئات السنين، فإن للولايات المتحدة قوارب أخرى رست هناك أيضاً (!).
ثم إنهم (الدنماركيين) أرسلوا زلّاجات لحماية الجزيرة، بالغة الأهمية للأمن الأميركي، ما يعني أن الذئاب والدببة الروسية، بفروها السميك المناسب لطقس الجزيرة البارد جدّاً، ستعيث خراباً في الخاصرة الرخوة لأمن ترامب وعقيلته وأنجاله وأصهاره من المنابت والأصول كافّة.
هذا عبث، ولا نتحدّث عن صموئيل بيكيت هنا، بل عن يونس شلبي في "العيال كبرت"، مع تقديرنا الكبير لموهبة الممثّل المصري الراحل.