ترامب والدولة الأموية

01 ديسمبر 2025
+ الخط -

باتت الساحةُ السياسيةُ السوريةُ مسرحاً لثلّةٍ من التصوّرات المتناقضة حول مستقبل الدولة، وبين مشاريع قومية وسلطوية أو فيدرالية، يظهر سيناريو أكثر إثارةً للجدل: تحوّل سورية "إمارةً إسلامية" في ظلِّ سطوة مناخٍ شعبوي متشدِّد يستمدُّ شرعيته من عصب الثنائيات العضوية (إيمان/ كفر، ولاء/ براء، حلال/ حرام)، استجابةً ظرفيةً لانعدام الأمن والفوضى المؤسّساتية. في السياق، ساهم التدخّل الخارجي في تدويل الدين المحلّي واستثماره بوصفه "بزنس" عالمياً، وإحلال رؤى خارجية محلَّ التقاليد الدينية السورية المتّسمة بالتعدّدية والانفتاح. بالتالي، لا مبالغةَ في عظمة حدث سقوط نظام الأسد الذي غيّر خريطة الأعداء والحلفاء، وشكّل استقطابات جديدة، وكأنّ السوريين حيال هزَّة ارتدادية لزلزال عظيم، خلخلت الثوابت كلّها، وتفاعلاتها مفتوحة على الاحتمالات كلّها، بعيداً عن أيِّ خلاصاتٍ نهائية. إنه حالُ المُخرَجات الصادمة بعد الانزياحات الدراماتيكية الهائلة، وما يسبّبه ذلك من تمترّساتٍ شاذةٍ في مناطق الفراغ التي يتركها.

مشروع الإمارة الإسلامية يكشف التوتّر المحموم بين الهُويَّة والدين والسياسة

ممّا تقدَّم، يتبيّن بجلاء، وإن بدا السيناريو غير قابل للتحقّق، أن مشروع الإمارة الإسلامية يكشف التوتّر المحموم بين الهُويَّة والدين والسياسة. وقد أصبحت سورية، والحال هكذا، أرضاً صِفْرية تفرز فضاءً غير متناهٍ من الحيثيات المُلتبَسة، فلا مناصَّ من الحديث عن مآلات الراهن المأزوم بعد فتح الأبواب الواسعة لصعود الإسلام السياسي، بينما تعجز التيارات العلمانية والمدنية عن تشكيل جسمٍ سياسي مُوحَّد، ورؤية فكرية ووطنية مشتركة، مقابل ظهور قوى دينية تسعى جميعها إلى إعادة السلطة المركزية المُستبِدَّة، وفرض قوانين شرعية صارمة، نوعاً من إعادة تنظيم المجتمع، وفق قواعد تشبه ما كان معمولاً به في العهد الأموي، مع تعزيز الرمزية التاريخية، عبر تسمياتٍ احتفالية مستوحاة من التاريخ الإسلامي المبكّر. هذا كلّه لقمع العقل باسم المقدَّس، وخلق فجوة عميقة بين التطلّعات وبين واقع الحوكمة السياسية على الأرض، تحوّل السوريين غيلاناً تأكل بعضها، وهذا وثيق الصلة بما قاله الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبز: "الطبيعة البشرية تميل إلى الصراع إذا غابت السلطة المُوحِّدة، ويصبح الإنسان ذئباً للإنسان".
بالتوازي، فسّر المفكر الاجتماعي، إريك فروم، في كتابه "الخوف من الحرية"، انجذاب الناس إلى السلطة الأيديولوجية باعتبارها ملاذاً نفسياً في أوقات الفوضى، محذّراً من أن الهروبَ نحو سلطةٍ دينية شمولية تنازلٌ عن الحرية الفردية لصالح يقينٍ جماعيٍّ مُغلق. وبالنظر إلى الواقع السوري، بما يحمله من خوف وتفكّك وضياع، يمكن تفهّم بعض المشاريع الدينية الجذّابة لفئاتٍ من "الأكثرية"، إلا أن هذا الملاذ العاطفي (الوضعي) لا يلغي مخاطر الاستبداد العقائدي. وعليه، سيهدّد قيامَ وزنٍ إسلامي سياسي متطرّف له الكلمة الفصل في كل شيء، حتماً أمن المنطقة. والسؤال: هل تستعيد الحركات الإسلامية المُتشدِّدة بريقها في ظلِّ المشهد الحالي، لا سيّما أن قواها كانت تختمر ببطء تحت الرماد السوري؟ أم أن انضمام سورية إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب سيدفعها إلى مزيدٍ من التقهقر، في حين تعيش منطقة الشرق الأوسط تداعيات خطيرة ستمتدُّ إلى ما هو أبعد من سورية، وتشكّل السياسة الإقليمية لعقود مقبلة؟
إذاً، عن أيّ سورية نتحدّث اليوم، بينما تُرسَم حدودها عبر إعادة السوريين إلى كانتوناتهم الطائفية والعرقية بتأثير إكراهاتٍ دينية شتَّى، ذاتية وموضوعية؟ وحتّى مع هذا الطرح الجدلي، من المغالطات المنهجية قَصْر الحديث عن أسطورة "الخلاص السياسي عبر الدين"، الذي ما إنْ يَعِد بحياةٍ مثاليةٍ، حتى يُنتج نقيضه تماماً، إذ أظهرت التجربة الأفغانية أن الإمارة الدينية قد تفرض استقراراً أمنياً محدوداً، لكنّها تفشل في بناء دولة مؤسّسات حديثة، وحتى في إيران، التي تمتلك مؤسّسات قوية، فنموذج "ولاية الفقيه" أوجد استقطاباً مجتمعياً حادّاً، وأدخل الدولة في صراعاتٍ إقليمية، وفي حال تطبيق نموذج مشابه في سورية سيُعاد إنتاج الصراع الطائفي بأشكال جديدة أكثر خطورة، تقود (حكماً) إلى أشكال برّية ومتوحّشة من العدمية الإسلامية.
في ضوء ما سبق، يتأكّد أن المصيرَ السوري نتاجُ تفاعلاتٍ معقَّدةٍ بين مصالح الدول الكبرى، ولا يمكن أن ينفصل عن محاولات الولايات المتحدة تأكيد دورها السيادي الأوحد في سلّم القوى الدولي، بدلالة أنه ما إنْ قرَّر الرئيس دونالد ترامب عدم التدخّل المباشر في سورية، متَّخذاً ردّات فعل متباينة بسبب تناقضات المشهد السوري، حتّى تراجع فجأةً، متبنّياً الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، واصفاً إياه بالرجل القوي والموثوق، في وقتٍ منحَ فيه إسرائيل ضوءاً أخضرَ لفرض رؤيتها التوسّعية، بحجّة تأمين حدودها وأمنها القومي.
في المقلب الآخر، وبذريعة خشيتها من قيام إمارةٍ إسلاميةٍ، وانعدام الإدراك القطعي بشأن ما يمكن أن يحدث بعد سقوط نظام الأسد، شنّت إسرائيل حملةَ قصفٍ كاسحةً دمَّرت الأصول العسكرية السورية، ثمّ تحرّكت إلى الجزء منزوع السلاح من مرتفعات الجولان، إضافةً إلى جبل الشيخ، ومن ثمّ الاحتلال الكامل للجنوب السوري، ولا عودة، كما أكّدت الجولة الميدانية لرئيس الوزراء الإسرائيلي منذ أيّام، لهذا الجزء المقتطع، بالتزامن مع تغريداتٍ صريحة لنشطاء إسرائيليين وصفت الجنوب السوري بالشمال الإسرائيلي (!).
فعلياً، لم يخلُ حدثٌ مفصلي عالمي إبّان العهد الترامبي من تناقضاتٍ جليّة تحكمها مزاجية حاكم يتّخذ قرارات فردانية خارج إطار المؤسّسات التقليدية (الخارجية والبنتاغون)، ثمّ يتراجع عنها من دون أن تكون لها خطّة تنفيذية. مثلاً رغم تعهّده بدعم الحكومة الأفغانية، فإنه همَّشها عندما عقدَ اتفاقاً منفرداً مع حركة طالبان للانسحاب، ما تسبّب في انهيارها السريع عام 2021. أيضاً، عندما قدَّم وعوداً ببحثٍ مشترك حول إصلاح الاتفاق النووي الإيراني، أعلن انسحاب بلاده من الاتفاق فجأةً، كما انسحب من اتفاق باريس للمناخ رغم تطمينات ماكرون، وهاجم حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وهدَّد بالخروج منه، فتحوّلت العلاقة عبر الأطلسي توتّراً تاريخياً غير مسبوق...إلخ. ومن أبرز ملامح سياسته اعتماده على الوعود الشفهية ولغة المجاملة وتغريدات الدعم، وغالباً لا يترجم ذلك أفعالاً، وينظر إلى العلاقات الدولية بوصفها صفقات لا تحالفات ثابتة، بدلالة أن القادة الذين اعتقدوا أنهم يملكون دعماً مطلقاً من ترامب، اكتشفوا لاحقاً أن هذا الإسناد ظرفي ومتغيّر.

أيُّ مشروع سياسي يعتقد أنه يمتلك حقيقة نهائية حول كل شيء يتحوّل بالضرورة نظاماً قمعياً

والتساؤل المُلحُّ هنا: ماذا لو تحوّلت سورية كياناً دينياً ذا مرجعية أصولية؟ وماذا لو كان وعدُ ترامب بدولة ديمقراطية تحمي حقوق "الأقليات" مجرّد مزاجٍ شخصيٍّ مارق؟
ينطلق السؤال من الرغبة في تحديد مدى قدرة الإسلام السياسي على فهم أسئلة الواقع ومعالجة أزماته، بينما يعطي الأولوية لشرعية دينية عابرة للحدود، لا تفقد جاذبيتها بين سوريين يبحثون عن قشّةِ نجاةٍ على حساب تهميش الهُويَّة الوطنية الجامعة لصالح انتماءاتٍ ضيّقة، خاصةً أن سورية لم تعرف منذ الاستقلال استقراراً ديمقراطياً حقيقياً. وعليه، فإن أيَّ مشروع سياسي يعتقد أنه يمتلك حقيقة نهائية حول كل شيء، يتحوّل بالضرورة نظاماً قمعياً، فاليقين الأيديولوجي، دينياً كان أو قومياً أو طبقياً، يمتلك قابليةً عاليةً للتحوّل استبداداً.
صفوة القول، أيُّ دولة تُبنى على إيمانٍ واحد مُلزِم للجميع تنتهي بالتفسّخ، فسورية تُعَدُّ نموذجاً كلاسيكياً ناجحاً لمجتمع متعدّد الهُويَّات، ما يجعل فرض نموذج عقائدي، يستثني مكوّنات بعينها، غير قابل للصمود بنيوياً، وأن مستقبلها، إذا أُريد له أن يكون مبشّراً، فيجب أن يُبنى على مقاربات مدنية ومؤسّساتية قادرة على احتواء الاختلاف، لا على نماذج أحادية تعمّق الانقسام.