ترامب ـ إبستين... المسألة الأخلاقية ليست تفصيلاً

11 اغسطس 2025   |  آخر تحديث: 11:11 (توقيت القدس)

لافتة في تايمز سكوير بنيويورك تدعو إلى كشف ملفات إبستين (23/7/205 Getty)

+ الخط -

استمع إلى المقال:

يقول أحمد شوقي عن زوال الأمم إذا عُدمتْ أخلاقُها: "إنّما الأمم الأخلاق ما بقيت/ فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا"، فماذا عن رئيس أمّة كبيرة بحجم أميركا إذا عُدمت أخلاقه؟... فلنتذكّر أن ترامب كان يجالس نتنياهو حين طلب للمرّة الأولى من وسائل الإعلام أن تصمُت بشأن جيفري إبستين، وطلبُ الصمتِ في حضرة "بيبي" يعني أن إبستين (الصهيوني) كان يتعاون مع الموساد في جرّ كبار الشخصيات العامّة والسياسية المؤثّرة إلى عالمه المنحرف، إذ يوفّر لهؤلاء فتيات قاصرات ليمارسن الجنس معهم، فيصوّرهم إبستين سرّاً لحفظ مادّة ابتزاز مصوّرة بيد اللوبي الصهيوني وأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية. هذا ما يُهدّد ترامب اليوم، فيبدو مرتعداً وخائفاً من فضيحةٍ مثبتةٍ بالصور والأفلام، تطيحه وتنهيه. في هذا السياق، يقول المحامي (الصهيوني) ألان درشوفيتس، المُورَّط أيضاً في الفضائح الجنسية، و"الزبون" أيضاً لدى إبستين، إنه "غباء سنّ الرشد"، ويقصد تلك النزوات الجنسية المنحرفة التافهة التي تورّط المنزلقين إليها بفعل جموح الشهوة ونزقها، من دون أن يقدّروا العواقب والتداعيات، واحتمال إخضاعهم لاحقاً للابتزاز بالصورة والصوت، والوثيقة صعبة التكذيب.

"المسألة الأخلاقية ليست تفصيلاً في المجتمع الأميركيّ، خصوصاً عند ذاك الديني المحافظ

في تسجيل صوتي أذيع باعتباره مفاجأةً انتخابيةً عام 2024، ولم يحظَ بتغطية إعلامية كافية، يقول إبستين في التسجيل، الذي يعود إلى 2017، وبصوته، إنّه كان "أفضل صديق لترامب طوال عشر سنوات". وبما أنّ إبستين مُدان من محكمتَين فدراليَّتَين، سيكون هناك كمّ هائل من الأوراق، بما في ذلك مقابلاتٌ كثيرة، وسيكون من المستحيل تقريباً ألّا يكون اسم ترامب موجوداً في مكان ما من تلك الوثائق. في النهاية، غير مهمّ حقاً إن كان ترامب قد مارس الجنس مع قاصر من "مستعبدات" إبستين، أو أنه يتعرّض لابتزاز من نتنياهو، فالنتيجة واحدة: وسائل الإعلام تخفي حقيقة إدارة الموساد شبكة ابتزاز في الولايات المتحدة. وتثير فضيحة ترامب غضب الجمهور الأميركي لأنّه لا يحبّ فكرة أن تكون مجموعة من النُّخب فوق القانون. والانتقاد السائد في قاعدة ترامب اليمينية لـ"إسرائيل" يُعدُّ أمراً جديداً نسبياً، وستزداد الأمور سوءاً بالنسبة إلى ترامب في أوساط مؤيّديه. المسألة الأخلاقية ليست تفصيلاً في المجتمع الأميركيّ، خصوصاً من ذاك الديني المحافظ الذي يعير الأخلاق والجنس اهتماماً خاصّاً، ولا يتقبّل "خطايا" الانحراف والشذوذ، مثل معاشرة كهولٍ لقاصرات، ولا أن يكون رئيسهم صاحب نزوات وانحرافات جنسية من هذا النوع.
الأكثر إثارةً في القضية أنّ إيران تملك، مثل "إسرائيل"، ملفّات إبستين المتعلّقة بترامب، وقد حصلت عليها جزءاً من "تيرّابايت" بيانات استولت عليها سايبرياً من داتا إسرائيلية، ولو أرادت إيران اليوم استخدام هذه الوثائق أداةَ فضح وتعرية وابتزاز لترامب لفعلت، لكنّ الأرجح أن أخلاقياتها الدينية تمنعها من ذلك. كذلك يعتقد مراقبون أن روسيا أيضاً تملك مواد ابتزاز خاصّة بها ضدّ ترامب. الأرجح أن الولايات المتحدة بلغت "ذروة إبستين"، أو ما يسمّيه بعضهم "كتلة إبستين الحرجة"، وأن إقدام أيّ جهة، إيران أو روسيا أو سواهما، على كشف ما لديها سيُفضي إلى انفجار سياسي يدمّر هيكل السلطة الأميركية ويغرق الولايات المتحدة في تداعيات ستستمرّ عقوداً، ولن تنتهي بسهولة قضية تحاصر رئيس الولايات المتحدة الذي يعجز عن التهرّب من أسئلة الصحافيين التي تحاصره أنّى ذهب.

"بلغت الولايات المتحدة ذروة إبستين، وكشف الملفات قد يفضي إلى انفجار سياسي

وتفيد استطلاعات الرأي العام بأن نحو 60% من الشعب الأميركي لا يوافقون على تعامل ترامب مع المسألة، فلم يُرغمه أحد على الارتباط بشخصٍ بغيض مثل إبستين سنواتٍ، كما لم يرغمه أحد على التصريح لمجلة نيويورك عام 2002 بأنّ إبستين "رجل رائع، وهو يحبّ النساء الجميلات بقدر ما أحبّهن، وكثيرات منهنّ أصغر سنّاً". ومع ذلك، ينبغي الإقرار لترامب بأنّه ذو قدرة فائقة على الصمود في وجه العواصف، بل يستغلّ الأزمات لترسيخ سلطته، فهو يركّز حالياً في ترويج نظريات عن باراك أوباما وبيل كلينتون، لحرف الأنظار عن قضيته.
هو محترف مراوغةٍ وكذّاب. ومصيبة العالم مع دونالد ترامب مزدوجة، فهو ليس عديم الثقافة فحسب (لا يقرأ ويكره الكتب باعترافه الشخصيّ) بل عديم الأخلاق أيضاً. وأضف إلى ما يخصّ غزّة وفلسطين أنّه عديم الإنسانية كذلك. أكثر من عدم وانعدام يجتمعان فيه، بحيث لا يبقى من صفاته و"مزاياه" (إن وُجدت) سوى أنّه مُقاول ناجح تارة، وفاشل غالباً إلى درجة الإفلاس. ليس هناك من هو أدنى قيمة من هذا الرجل الذي وصل، في غفلة من التاريخ الذي جاء بكثيرين مثله على نحو عبثي في مرّ العصور والأطوار، فغالباً ما تخطئ الجموع والحشود في خياراتها، وليس أسوأ من اختيار الشعب الأميركي رؤساءه منذ كلينتون ـ لوينسكي إلى ترامب ـ إبستين، والحبل على الجرّار مستقبلاً.

جورج كعدي
جورج كعدي
كاتب وناقد فني وصحفي وأستاذ جامعي لبناني