تداعيات نيتشوية

تداعيات نيتشوية

29 نوفمبر 2021
الصورة

(إيلي كنعان)

+ الخط -

في رسالة إلى شقيقته، كتب الفيلسوف الألماني، فردريك نيتشه، متفجعا "أين أولئك الأصدقاء القدامى الذين كنت أشعر معهم، في السنوات الماضية، بأننا متقاربون كليا. والآن، يبدو لي أنني أنتمي إلى عالم مختلف عما هو راهن. ويبدو لي أننا أصبحنا لا نتكلم اللغة نفسها. أشعر بأنني أصبحت غريبا ومنبوذا، أتنقل بينهم هنا وهناك، ولا أجد أيا من كلماتهم أو اهتماماتهم يثير شغفي. أصبحت صامتا، لأن لا أحد منهم يستطيع فهم حديثي، إنه لأمر رهيب أن تلتزم الصمت بينما لديك الكثير لتقوله. هل خلقتُ لحياة العزلة أم لحياة لا أستطيع فيها التحدث مع أحد؟ عدم القدرة على تبادل الأفكار مع الآخرين أسوأ أنواع العزلة وأفظعها على الإطلاق. الاختلاف عن الآخرين هو أقسى من أي قناع حديدي، يمكن للفرد أن يعزل بداخله".
تلخص هذه الكلمات حقيقة غربة المثقف الملتزم المطلقة، لانعدام لغةٍ مشتركةٍ مع المجموع. على الرغم من اكتراثه الكبير بالشأن العام والقضايا الكبرى. حقا، يا نيتشه، أيها الرجل الحزين، المثقل بالخيبة، المنكوب بالمعرفة، يا من أنطقت زرادشت، قبل أن يرموك في الجنون، حيث سعادتك المنشودة التي بحثت عنها طويلا متخففا من براثن الألم. من الرهيب أن تصمت، بينما الكلمات تمور في داخلك، مثل بركانٍ يتأبّى على الخمود. أما أنت، أيتها المرأة المصابة بلعنة نيتشه، والتي لم تبلغ بعد مرحلة الجنون، وإن وصلت إلى حوافّه، فأينما وليت وجهك، يا صديقتي، دائما ثمّة ما يلجمك. ما يحدّ من قدرتك على البوح، ما يكبح جماح روحك القلقة المتمرّدة. ما يعيق تدفق أفكارك، ما يحول دون انفلات خيالك. تستفزّك شاشة الكمبيوتر المفتوحة على الفراغ. ولكن ما أن تضغطين على الأزرار، حتى ينبثق رقيبٌ قابعٌ في خلايا دماغك. يحصي عليك أنفاسك. يلوّح بسبابته في وجهك، محذّرا من مغبة طرح أسئلة الوجود الكبرى، متوعدا من حماقة الاختلاف عن السائد، تغلقين الكمبيوتر، بعد أن تتأكدي من شطب ما اقترفته روحك من بوح صادم، قد يعرّضك إلى اللوم والمساءلة.
يخنقك الكتمان الذي ينهك روحك المتعبة، تلوذين بالورق، لعلها أكثر رأفة. تكتشفين أن خطك بات رديئا إلى درجة مرعبة، وكأنك لم تحصلي في المدرسة على أعلى العلامات في مادة اللغة العربية، مع إشادة المعلمات بخطك الجميل المنمق. صار ذلك ماضيا بعيدا، كأنه لم يحدث سوى في منطقة الحلم. تتدفق الكلمات مثل نزف، غير أنكِ سرعان ما تمزّقين الأوراق، الواحدة تلو الأخرى، مطمئنة إلى حين من حكمة تصرّفك وإحساسك الأمني الخارق الذي غالبا ما يحميك من اندفاعك وتهورك. ترعبك حقيقة تغيرك نحو الأسوأ. يحزنك أنك لم تعودي روحا حرّة معنية بالحق والحقيقة. دجنتك الحياة على مهلها، خلعت أظافرك بقسوة، كما يحدُث لعشاق الحرية في أقبية الطغاة المظلمة. كسرت ظهرك بلا رأفة، ولقنتك درس الانحناء حيث تكمن السلامة. وها أنت ترتعدين خوفا من إلحاح أفكارك غير المألوفة، تهربين عن سبق إصرارٍ إلى توافه الأمور، تشغلين بها رأسك المكتظ بالأحلام والمخاوف والقلق والأسئلة العبثية، علّه يؤوب إلى رشده ويلتحق بالسرب بعد تحليقٍ غير مجد بعيد عنه، لكنك تخفقين في ذلك بشكل ذريع، لأنك لم تخلقي لحياة رتيبة مهادنة كهذه، تتصالحين مع حقيقة غربتك، يغمرك حزنٌ مزمنٌ، وتقرّين بعجزك عن إحداث أي فرق في معادلة الوجود، غير أنك تواصلين، بكل عناد المجانين، طرح الأسئلة الصعبة، على الرغم من كل شيء!