تخفّفوا من صداقاتكم

تخفّفوا من صداقاتكم

05 اغسطس 2021
الصورة

(محمد المليحي)

+ الخط -

قادني حديث عميق مع سيدة رائعة، التقيتها بعد غياب طويل، إلى محاولة فهم معنى الصداقة التي تجمع بين اثنين. قلت لها إنّني أمرّ، منذ سنوات قليلة، بمرحلة التخفّف من معارفي الكثر الذين كنت أسميهم أصدقائي. ووافقتي الرأي بشأن أهمية الموضوع، لأنّها، كما بدا لي، تمرّ بالمرحلة نفسها، وقد وصلت إلى حافّة المعنى الجميل والجليل للصداقة، بوعيها المعجون بتجارب الزمن وخبرات السنين. ولأنّ الأمر مهم بالنسبة لي فعلاً، فقد عدت إلى التفكير فيه لاحقاً، لأكتشف أنّني على وشك الانتهاء تقريباً بتلك المرحلة تحت شعار؛ صديق الجميع ليس صديقاً لأحد!

لم أعد أحتفظ بقائمة الأصدقاء سوى بالأصدقاء الحقيقيين الذين تعرّضوا، من دون قصد ولا تخطيط مسبق مني، لاختبارات الزمن البسيطة والمعمقة، ونجحوا فيها من دون قصد ولا تخطيط مسبق منهم. وقائمتي ليست طويلة، ولعلّها لا تحتوي سوى على أربعة إلى خمسة أسماء وحسب. هذا العدد يكفيني جداً، بل لعلّه فائض عن الحدّ أحياناً، فأنا أحتفي كثيراً بفكرة الصداقة، ولا أغادرها إلّا بعد أن أشبعها بما يعزّزها في وجودي، ويرسّخها في وجداني، وينميها في يقيني وإيماني. هذا يعني أنّ عدداً يفوق ذلك العدد سيكون مرهقاً بالنسبة لي الاهتمام به بما يكفي أو الخضوع لاهتمامه المفترض، كما ينبغي. فعلى بساطة فكرة الصداقة، تبدو، في بعض مفاصلها المهمة، شديدة التعقيد، ولا يمكن الإحاطة بتعريفٍ جامعٍ مانع لها إلّا بالإشارة إلى نماذجها المتحققة في الحياة. ونماذجي المتحقّقة في حياتي على مدى سنوات عمري كلّه رائعة، إلى الدرجة التي أصبحتُ أشعر فيها أنّ القدر يدللني بمثل هؤلاء الأصدقاء في حياتي، ويعوّضني عن كثير من الفقد في أمور أخرى، أستشعرها كلّما أجلس لإحصاء الخسائر والأرباح في مشوار الحياة.

هل يعني هذا أنّ علينا خسارة كل من نعرفهم حولنا من الصالحين في جوانب كثيرة مفعمة بالمحبّة الصادقة والود والاحترام المتبادل والمجاملات اللطيفة، وغيرها من مشاعر تجمل العلاقات، وتسير بها نحو مزيد من الطمأنينة والرضا؟ بالتأكيد لا، فمن المفيد لنا ولهم أن تستمر مثل هذه العلاقات والمعارف القوية التي لا ترقى إلى مستوى الصداقات، ولا تحقق امتيازاتها الدقيقة، فالحياة قابلة لكثير من العلاقات اللطيفة التي تجمعنا بآخرين سنوات أو شهوراً أو أياماً أو حتى ساعات قليلة، فالمهم أنّها لا تؤذينا ولا تؤذيهم، وتمضي بنا من دون شعورٍ بالنقص أو الجرح أو الخديعة أو الخذلان، إن غابوا أو قصروا أو ابتعدوا بسببٍ أو بلا سبب.

علينا، إذاً، أن نتخفّف من علاقات الصداقة غير الحقيقية قدر استطاعتنا، من دون أن نتعمّد فقدانها، فكلّ ما علينا إعادة ترتيب أوراق تلك العلاقات لنجد أنفسنا، في نهاية المطاف، إن سارت الأمور بهدوء جريان النهر في أواخره، وقد وصلنا إلى تلك المنطقة الحرّة الجميلة المفعمة بالمحبّة والفهم المشترك، بلا التزامات صعبة، ولا اشتراطات مسبقة، ولا استحقاقات ملحّة.

بهذه المناسبة، أود أن أعبّر عن مدى امتناني لأصدقائي الذين كانوا دائماً بالقرب مني، وإن فرّقت بيننا المسافات المكانية أو حتى الزمانية، فبعيونهم رأيت العالم كلّه، عندما كنت لا أستطيع السفر. وبقلوبهم شعرت بالدفء كلّه، عندما كانت تحيط بقلبي جبال الجليد من كلّ الجهات. وبمسانداتهم كنت أتجاوز الصعاب دائماً. وعلى الرغم من حرصي الشديد على مبادلتهم ذلك كلّه، كنت أشعر بالتقصير دائماً. وعذري أنّهم كانوا، كلّهم، أفضل مني في مقدار العطاء وحجم الحبّ ودرجة اليقين بفكرة الصديق .. شكرا لهم.