تخريب إسرائيلي لمفاوضات النووي الإيراني

تخريب إسرائيلي لمفاوضات النووي الإيراني

17 ابريل 2021
الصورة
+ الخط -

يشكّل الهجوم على منشأة نطنز النووية الإيرانية، في 11 ابريل/ نيسان الجاري، مؤشّراً مهمّاً على تصاعد الصراع الإسرائيلي الإيراني، واحتمال انتقاله إلى مساحةٍ جديدةٍ من "الحرب السيبرانية" أو "الحروب غير التقليدية" عموماً، من دون التخلي عن مساحات الصراع التقليدية، وذلك في سياق سعي كلا الطرفين إلى تأكيد قدراته ومكانته الإقليمية، بوصفه "اللاعب الإقليمي الأهم" في الشرق الأوسط، الذي يجب أن تُراعي كل القوى الدولية مصالحه، خصوصاً أميركا والصين وروسيا، ما يؤكّد استمرار التنافس الدولي على المنطقة، في ظل معادلةٍ قد تعكس "تغلغلاً" صينياً، مقابل "انكفاء" أميركي نسبي، مع احتمال عودة الدبّ الروسي إلى صراعاته "التقليدية" مع أميركا وأوروبا (حول قضايا: أوكرانيا، والقرم، والتجسس، وفرض العقوبات، وصراعات النفوذ والجيوبوليتيك).

وإذا كانت دولة الاحتلال تستند إلى الدعم الأميركي، وقدراتها التقنية العسكرية والاستخبارية "النوعية" وسياسة الاغتيالات، فإن طهران تحاول أن توظّف المتغيرات الدولية والإقليمية لتعزيز حضورها الإقليمي وموقفها التفاوضي مع الإدارة الأميركية، ولا سيما بعد توقيع "وثيقة برنامج التعاون الشامل بين الصين وإيران لـ25 عاماً"، في 27 من الشهر الماضي (مارس/ آذار)، وكذلك بعد انطلاق مفاوضات فيينا 6 إبريل/ نيسان الجاري، التي ترمي إلى إعادة إحياء الاتفاق النووي الإيراني، بوساطة أوروبية وتأييد صيني روسي واضح.

وفي سياق تحليل انعكاسات الصراع الإسرائيلي الإيراني، القديم/ الجديد، للهيمنة على الشرق الأوسط، وتداعياته على سياسات اللاعبين الدوليين والإقليميين وأدوارهم في المنطقة، يمكن إبراز أربع ملاحظات:

أولاها، تتعلق باستمرارية دور إسرائيل في الشرق الأوسط، وامتلاكها أوراق ضغط تساعدها في "التخريب/ التعطيل"، حتى تستجيب واشنطن لمطالب حليفها "الأوثق" في المنطقة؛ إذ تركّز إسرائيل، في هذه المرحلة، على تحجيم النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، وإظهار جهوزية جيشها لإمكانية تنفيذ خطط ميدانية إذا اقتضت الحاجة، كما قال وزير الدفاع، بيني غانتس، 24 فبراير/ شباط الماضي؛ "إيران هي مشكلة المنطقة والعالم كله، لكنها تشكّل تهديداً كبيراً أيضاً لإسرائيل. لذلك سنعمل بالتنسيق مع الدول العظمى، وضمان أنه في حال تم التوقيع على اتفاق مع إيران، أن يؤدّي إلى وقف البرنامج النووي، ولوقف خطتها للتموضع في سورية".

وفي هذا الإطار، توظّف إسرائيل حرص إدارة جو بايدن على عدم مواجهتها علانية، وتجنب تكرار خلاف مشابه لما حدث إبّان توقيع لاتفاق النووي الإيراني عام 2015، في عهد باراك أوباما، ولا سيما مع استمرار نفوذ قوى اليمين الإسرائيلي والجماعات المؤيدة لها في الكونغرس.

يبقى مصير المشروع الإقليمي لإيران محكوماً بالبعد الدولي وتفاعلاته، أو كيفية إدارة طهران علاقتها الصراعية المعقّدة مع أميركا وحليفها الإسرائيلي

ومن الأهمية بمكان تحليل التزامن بين خمسة متغيرات: زيارة وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن إلى إسرائيل. وقوع تفجير في منشأة نطنز النووية. عودة رئيس الوزراء الإسرائيلي، نتنياهو، إلى تضخيم "الخطر النووي الإيراني على بقاء إسرائيل ووجودها"، ليس نتيجة مصالح إسرائيلية أمنية بالضرورة، ولكن لمصلحة سياسية شخصية جنائية لنتنياهو. فرض الاتحاد الأوروبي عقوباتٍ على ثمانية أشخاص في إيران، بسبب انتهاكات حقوق الإنسان، ومن بينهم القائد العام للحرس الثوري الإيراني، حسين سلامي، وقائد قوات الباسيج، غلام رضا سليماني.

على صعيد آخر، تجتهد إسرائيل في تحجيم تداعيات "الاتفاق الصيني الإيراني" على الشرق الأوسط، خصوصاً تركيا التي قد تميل إلى سلوك مسار مشابه يراهن على "الصعود الصيني"، كلما تعثّرت علاقات أنقرة مع أميركا والدول الأوروبية.

بيد أن إسرائيل تعاني من معضلة، على المدى البعيد، تكمن في كيفية التوازن بين تطوير تعاونها مع "العملاق الصيني" الصاعد والالتزام بقيود التحالف الإسرائيلي مع واشنطن التي باتت تضع العلاقات الصينية الإسرائيلية تحت المجهر، في ظل القيود الأميركية على إسرائيل، بعدم تصدير الأسلحة والتكنولوجيا المتطورة التي تصلح للاستعمال المزدوج العسكري والمدني إلى دولة ثالثة، خصوصاً الصين، والتي أدت، في يوليو/ تموز 2000، إبّان حكومة إيهود باراك، إلى إلغاء صفقة "الفالكون" التي وقعتها الصناعات الجوية الإسرائيلية مع الصين عام 1995، لتطوير طائرة اليوشن 76 الروسية الصنع، إلى طائرة للإنذار المبكر، تشبه طائرة "أواكس" الأميركية الصنع.

تتعلق الملاحظة الثانية بتصاعد التحدّيات التي تواجه إيران ومشروعها الإقليمي الذي يبقى مرهوناً بقدرتها على تأكيد "المصداقية" في مواجهة الاستهدافات الإسرائيلية المتكرّرة، سواء في البحر أم البر أم في المجال السيبراني، وقدرة طهران على توسيع مساحة خياراتها الخارجية وتفعيل قدراتها الذاتية، بعيداً عن توظيف وكلاء إقليميين في مناطق الأزمات العربية (العراق، سورية، اليمن، لبنان، فلسطين).

تصاعد الصراع بين تل أبيب وطهران قد يفرض على العرب أوضاعاً أصعب، ما لم يتم الاستعداد لنتائجه

بعبارة أخرى، يبقى مصير المشروع الإقليمي لإيران محكوماً بالبعد الدولي وتفاعلاته، أو كيفية إدارة طهران علاقتها الصراعية المعقّدة مع أميركا وحليفها الإسرائيلي، وإمكانية توظيف الدعم الروسي الصيني لها، والقدرة على توسيع تحالفاتها الدولية والإقليمية وتنويعها، وتجاوز أخطاء الماضي، ولا سيما استعداء جوارها العراقي والخليجي.

صحيحٌ أن إيران اختارت توقيتاً مناسباً لتوقيع "وثيقة برنامج التعاون الشامل" مع الصين، بعد تأخر إدارة بايدن في رفع العقوبات، بيد أن عليها ألا تبالغ في "خطاب الانتصار" الذي لم يتحقق بعد، من قبيل الزعم أن "التعاون مع الصين سيسرع وتيرة تراجع قوة الولايات المتحدة، وأنه جزء من استراتيجية إيران للمقاومة؛ على نحو ما غرّد على تويتر أمين مجلس الأمن القومي الإيراني، علي شمخاني.

تتعلق الملاحظة الثالثة بأهمية تحليل تأثير تصاعد التنافس الاقتصادي الصيني الأميركي على الشرق الأوسط، وكيفية إدراك إيران سياسة التوازنات الصينية البراغماتية؛ فالتعاون مع طهران يسير بالتوازي مع الأطراف الإقليمية الأخرى، ما دام الهدف هو تأمين مصادر الطاقة وتنويعها، لضمان استمرار نمو الاقتصاد، وزيادة الدول التي تندرج في إطار مبادرة "الحزام والطريق"، التي أطلقها الرئيس الصيني شي جين بينغ، عام 2013، لتعزيز التعاون وتحقيق النمو الاقتصادي في الدول المجاورة، والتي روّجها عبر زيارته إلى السعودية وإيران ومصر، في يناير/ كانون الثاني 2016.

وليس بلا معنى أن تشمل جولة وزير خارجية الصين وانغ يي، للمنطقة، 24 - 30 الشهر الماضي (مارس/ آذار)، كلاً من السعودية وتركيا وإيران والإمارات والبحرين وسلطنة عُمان، ما يعكس توازن الدبلوماسية الصينية من ناحية، وتزايد ارتباط مسألة أمن الطاقة الصينية بالشرق الأوسط من ناحية أخرى.

تسارع التطبيع الخليجي/ العربي مع إسرائيل لم يجلب الأمن للخليج، بل زاد التوتر مع إيران

تتعلق الملاحظة الرابعة بانعكاسات تفاقم الصراع الإسرائيلي الإيراني، وتصاعد التنافس الدولي على منطقتي الخليج والعالم العربي، وكيفية إدراك الدول العربية لصعود الدور الصيني، خصوصاً بعد جائحة كورونا، وبروز دبلوماسية "الكمّامات/ اللقاحات"، أخذاً في الحسبان أن نظاماً عالمياً ثلاثي الأقطاب هو أفضل من هيمنة واشنطن وحدها على المنطقة، وأن على العرب الاستفادة من فكرة "تنويع العلاقات الخارجية"؛ فالعالم أكبر من أميركا بالفعل، فضلاً عن العقبات التي تواجه سياسات واشنطن في الشرق الأوسط، ناهيك عن تركيز إدارة بايدن على استعادة موقع أميركا القيادي العالمي، في مواجهة الصعود الاقتصادي الصيني والنفوذ الاستراتيجي الروسي، والتصدّي لقضايا المناخ وتداعيات جائحة كورونا، ما يعني احتمال تراجع الشرق الأوسط في سلم أولويات واشنطن. كما أن تسارع التطبيع الخليجي/ العربي مع إسرائيل لم يجلب الأمن للخليج، بل زاد التوتر مع إيران، ما يستدعي مراجعة مجمل السياسات الخارجية العربية، خصوصاً فكرة التحالف مع إسرائيل، والانضواء في نظام إقليمي أمني معها، ضد إيران أو تركيا.

يبقى القول إن تصاعد الصراع بين تل أبيب وطهران قد يفرض على العرب أوضاعاً أصعب، ما لم يتم الاستعداد لنتائجه، عبر تعظيم الفرص العربية، وفتح حوار خليجي/ إقليمي مع إيران، والتصالح مع تركيا، والبحث عن حلولٍ "إقليمية" لصراعات الشرق الأوسط، وتعزيز الدعم العربي للموقفين المصري والسوداني في الخلاف مع إثيوبيا بشأن سد النهضة، بدل الاستمرار في السير خلف سياسات المحور الأميركي الإسرائيلي التي تزيد من تأزيم المنطقة، وتعمّق استقطاباتها، وتمنع تسوية صراعاتها المزمنة.