تحولات العلاقة الليبية- المصرية..حساباتها ودوافعها

تحولات العلاقة الليبية - المصرية .. حساباتها ودوافعها

03 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

في خطوة هي الأولى من نوعها، منذ منتصف عام 2014، وصل وفد رسمي مصري إلى العاصمة الليبية طرابلس، يوم الأحد 27 كانون الأول/ ديسمبر 2020، مكوّن من وكيل جهاز المخابرات العامة، أيمن بديع، والمسؤول عن الملف الليبي في وزارة الخارجية، السفير محمد أبو بكر، وشخصيات دبلوماسية وأمنية من وزارات الخارجية والداخلية والدفاع. ووفقًا لما راج من معلومات، تركّزت محادثات الوفد المصري مع مسؤولين في حكومة الوفاق الوطني على تفعيل الاتفاقيات الاقتصادية المشتركة، واستئناف الرحلات الجوية بين العاصمتين، وإعادة فتح السفارة المصرية في طرابلس. وتدفع عودة التواصل بين الطرفين، بعد نحو ست سنوات من القطيعة، إلى طرح جملة من الأسئلة حول دوافع الزيارة وسياقاتها وأهدافها وتداعياتها على المشهد السياسي والعسكري الليبي.
خيار الانحياز
دخلت العلاقات المصرية - الليبية منعطفًا حادًا، بداية من منتصف عام 2014، بعد أن أطلق اللواء المتقاعد خليفة حفتر "عملية الكرامة"، وتكرّس الانقسام بين مؤسسات الحكم بين شرق ليبيا وغربها. ففي حين ظلت حكومة الإنقاذ الوطني والمؤتمر الوطني العام قائمين في العاصمة طرابلس، تشكّلت الحكومة الليبية المؤقتة في مدينة البيضاء، واتخذ أعضاء مجلس النواب الداعمون "عملية الكرامة" مدينة طبرق مقرًا لانعقاد مجلسهم. ومنذ بداية الانقسام، لم تُخف السلطات المصرية انحيازها إلى معسكر اللواء حفتر، سياسيًا وعسكريًا. ويعود تاريخ التدخل المصري في ليبيا إلى وقتٍ مبكّر من الانقسام الذي شهدته البلاد؛ إذ نفذت طائرات حربية مصرية ضرباتٍ جويةٍ استهدفت مواقع تابعة لقوات "فجر ليبيا" في العاصمة طرابلس والمنطقة الغربية في آب/ أغسطس 2014. ومنذ ذلك الوقت، صعّدت مصر وتيرة دعمها العسكري حفتر، بشن غارات جوية متكرّرة على مدينة درنة التي ظلت خارج سيطرة قوات حفتر حتى منتصف عام 2018، في حين تحدّثت مصادر مقرّبة من حفتر عن أدوار متقدّمة للطائرات الحربية والقوات الخاصة المصرية في حسم المعارك التي ظلت محتدمة بين قوات حفتر ومقاتلي "مجلس شورى ثوار بنغازي"، أكثر من ثلاث سنوات.

توجّه مصري للقبول بفكرة فشل الخيار العسكري في حسم الصراع لصالح حفتر والمحور الإقليمي - الدولي الداعم له

لم يؤدّ توقيع الاتفاق السياسي الليبي المعروف بـ "اتفاق الصخيرات"، في كانون الأول/ ديسمبر 2015، إلى تغيير جوهري في الموقف المصري من الصراع في ليبيا. ومع أن الاتفاق أفرز مؤسسة حكمٍ معترف بها دوليًا، ممثلة في المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق الوطني، فقد واصلت مصر دعمها السياسي والعسكري والإعلامي لحفتر، من دون أن تبدي رفضًا رسميًا لمخرجات الاتفاق.
وأدّى الهجوم الذي شنّته قوات اللواء حفتر على امتداد سنة تقريبًا على العاصمة طرابلس والمنطقة الغربية إلى تصاعد حدّة التدخل الإقليمي في ليبيا وظهور فاعلين جدد، ممثلين في روسيا وتركيا. خلال الشهور الأولى للهجوم على طرابلس، ظل المحور الإقليمي الذي تمثّل الإمارات ومصر أهم مكوناته الداعم الأبرز، إعلاميًا وسياسيًا وعسكريًا، لحفتر، قبل أن تنضم إليه روسيا، من خلال الحضور الواسع لمرتزقة "فاغنر" في محاور جنوب طرابلس، ومدينة سرت، ومنطقة الجفرة، على نحوٍ أدّى إلى تضييق الخناق على قوات حكومة الوفاق داخل العاصمة. ولكن المشهد العسكري شهد انقلابًا كبيرًا إثر توقيع حكومة الوفاق اتفاقية عسكرية وأخرى لترسيم الحدود البحرية مع تركيا، في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2019؛ وهي الاتفاقية التي تم بمقتضاها تقديم دعم عسكري تركي لحكومة الوفاق، مكّنها من استرجاع كامل مدن المنطقة الغربية من قوات حفتر، وتراجع احتمالات الحسم العسكري، وقبول الطرفين بوقف إطلاق النار.
دوافع التحول في الموقف المصري
ضمن السياق الأخير، جاءت الزيارة التي قام بها، أخيرا، الوفد المصري إلى ليبيا؛ وهي تعبّر عن توجّه مصري للقبول بفكرة فشل الخيار العسكري في حسم الصراع لصالح حفتر والمحور الإقليمي - الدولي الداعم له. ويبدو واضحًا أنّ القاهرة ليست في وارد الدخول في صدام عسكري مباشر مع قوات حكومة الوفاق، ومن ورائها تركيا، أو الانزلاق نحو تورّط شامل في الصراع الليبي، على الرغم من التحذيرات التي وجهها الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، لتركيا من مغبّة مواصلة قوات حكومة الوفاق تقدّمها شرقًا، بعد أن تمكّنت من طرد قوات حفتر من كل مناطق غرب ليبيا.

مثّل دخول تركيا على خط الصراع السياسي والعسكري لدعم حكومة الوفاق الوطني تحدّيًا كبيرًا أمام المحور الإقليمي الذي تمثّل مصر أحد أضلعه

ويمثّل انطلاق مسار التسوية السياسية في ليبيا، من خلال "ملتقى الحوار السياسي الليبي" الذي ترعاه البعثة الأممية، عاملَ ضغط آخر على القاهرة، لتعدّل سياستها وتواكب التطورات التي يشهدها الملف الليبي، منذ انكفاء قوات حفتر عن طرابلس والمنطقة الغربية، وتراجع الخيار العسكري. وعلى الرغم من التعثر الذي تشهده جلسات الحوار، تؤكّد مؤشراتٍ عدة أنّ الدعم الإقليمي والدولي الواسع الذي يلقاه هذا المسار متواصل، حتى الآن، وأنّ بعثة الأمم المتحدة ماضية نحو التوصل إلى اتفاق حول توحيد السلطة التنفيذية والمؤسسات السيادية وتنظيم انتخابات عامة، خلال 2021. ويضيف انخراط مكونات من المعسكر السياسي المحسوب على حفتر في مسارات الحوار السياسي، سواء من خلال ملتقى الـ 75 الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة أو من خلال الجلسات المشتركة التي عقدها أعضاء مجلس النواب في طنجة وغدامس، دوافع جديدة للقاهرة لفتح قنوات تواصلٍ مع جميع الأطراف وعدم الاستمرار في المراهنة على طرف دون غيره.

مع الانحياز المصري لخليفة حفتر، انخفضت العمالة المصرية إلى النصف؛ فتراجعت قيمة التحويلات المالية التي كانت تضخّ في الاقتصاد المصري المنهك

تشير تركيبة الوفد المصري الذي زار طرابلس، والمكون في أغلبيته من شخصيات استخباراتية وأمنية وعسكرية، إلى أنّ المقاربة الأمنية ما زالت تمثل المدخل الرئيس في التعامل المصري الرسمي مع المشهد الليبي، غير أن الملفات التي طرحت مع مسؤولي حكومة الوفاق لم تقتصر على المشاغل الأمنية المباشرة، بل تعدّتها إلى البحث في تفعيل الاتفاقيات الاقتصادية الموقعة سابقًا، وتشغيل خطوط الطيران، وإعادة فتح الخدمات القنصلية والدبلوماسية المصرية في طرابلس، فقد ألحق الموقف المصري المنحاز لمعسكر حفتر، بالتوازي مع الانهيار الأمني والانقسام السياسي والمؤسساتي الذي تشهده ليبيا، ضررًا بالغًا بالمصالح الاقتصادية المصرية في ليبيا، حيث انخفضت العمالة المصرية إلى النصف؛ فتراجعت قيمة التحويلات المالية التي كانت تضخّ في الاقتصاد المصري المنهك، كما انخفضت الصادرات المصرية إلى السوق الليبية إلى الربع تقريبًا. والمعروف أنّ 70% من سكان ليبيا يتركّزون في المنطقتين الوسطى والغربية الخاضعتين، في معظمهما، لسلطة حكومة الوفاق الوطني.
سياق إقليمي ضاغط
على الرغم من أن التحولات التي تمر بها ليبيا، منذ فشل الهجوم العسكري الذي شنّته قوات اللواء المتقاعد حفتر وداعميه على طرابلس، كانت من بين دوافع التحرّك المصري أخيرا تجاه ليبيا، فإن حسابات الصراع الداخلي الليبي ليست العامل الوحيد لتفسير المستجدّات الحاصلة في السياسة المصرية نحو ليبيا؛ فقد مثّل دخول تركيا على خط الصراع السياسي والعسكري لدعم حكومة الوفاق الوطني تحدّيًا كبيرًا أمام المحور الإقليمي الذي تمثّل مصر أحد أضلعه، حيث تحوّلت معركة هذا المحور، ومن ضمنه مصر، من مواجهةٍ مع القوات التابعة لحكومة الوفاق منفردة، في الأشهر الأولى، إلى مواجهةٍ مع هذه القوات وداعميها الأتراك، وهو التحدّي الذي بدا تأثيره ماثلًا بوضوح في الميدان، مع انقلاب المشهد العسكري، خلال أسابيع قليلة، وصولًا إلى إعلان وقف إطلاق النار وتدشين مسارات الحوار بين الفرقاء الليبيين.

وصول إدارة أميركية جديدة إلى الحكم أقل تعاطفًا مع السياسات التركية والمصرية في المنطقة قد يدفع إلى بث بعض الدفء في العلاقات المصرية - التركية

لا يتعلق الخلاف المصري التركي بموقف كليهما وموقعه من أطراف النزاع الليبي. وكان توقيع الاتفاقية البحرية بين تركيا وليبيا قد صعّد وتيرة الخلافات القائمة حول المجال الجيوسياسي بين تركيا من جهة واليونان ومصر وإسرائيل من جهة ثانية؛ وهو ما بدا جليًا في الخطاب السياسي والإعلامي المصري الذي واظب على توصيف الحضور التركي في ليبيا أنه جزء من مشروع هيمنة تركي يمثّل تهديدًا للأمن القومي المصري. وعلى الرغم من عمق الخلافات بين الطرفين حول الملف الليبي والنفوذ شرق المتوسط، فإنّ وصول إدارة أميركية جديدة إلى الحكم في واشنطن أقل تعاطفًا مع السياسات التركية والمصرية في المنطقة قد يدفع إلى بث بعض الدفء في العلاقات المصرية - التركية. وقد تم في الفترة الأخيرة تسجيل مواقف تركية تحمل دعواتٍ ضمنيةً إلى الحوار والتهدئة و"عدم التضارب"، كما نجحت أنقرة في فتح قنوات تواصلٍ مع الفاعلين السياسيين في شرق ليبيا، واستقبلت مبعوثًا من رئيس مجلس نواب طبرق، عقيلة صالح؛ في ما يبدو محاولةً تركية أيضًا لاستثمار التناقضات بينه وبين حفتر الذي تحمّله أنقرة مسؤولية استمرار الصراع في ليبيا. ولا يستبعد أن تحاول مصر أيضًا استغلال خلافات وتناقضات داخل معسكر طرابلس، سيما بعد أن شعر بعض المسؤولين بأنّ الحوارات التي تقودها الأمم المتحدة تهمّشهم.

التدخل العسكري الروسي إلى جانب حفتر جاء على حساب الدور المصري. اتضح ذلك مع تبلور تفاهمات ثنائية تركية - روسية حول ليبيا

لا تقتصر السياقات الإقليمية الخاصة بالتغيرات الطارئة على السياسة المصرية تجاه ليبيا على التحدّي الذي مثّله دخول الفاعل التركي على خط النزاع الليبي وصراع النفوذ شرق المتوسط، إذ يلاحظ أنّ التدخل العسكري الروسي إلى جانب حفتر قد جاء على حساب الدور المصري، وقد اتضح ذلك مع تبلور تفاهمات ثنائية تركية - روسية حول ليبيا لم تكن القاهرة جزءًا منها. فضلًا عن ذلك، تشعر مصر بقلق متزايد من استمرار إثيوبيا في إقامة مشروعاتها المائية، خصوصًا إنشاء سد النهضة وتعبئته، من دون اهتمام كبير بالموقف المصري الذي يجد صعوبةً في الانخراط في أكثر من صراع في الوقت نفسه. وفي هذا السياق، يطرح التحرّك المصري الجديد تجاه ليبيا أسئلة عمّا إذا كان ذلك يمثل بداية تمايز من المقاربة الإماراتية التي ما زالت تراهن على خيار الحسم العسكري لصالح حفتر، في حين أخذت القاهرة تميل، على ما يبدو، إلى التهدئة في ليبيا ومع تركيا؛ حتى تستطيع التركيز أكثر على قضايا أمنها المائي والتوتر المتصاعد في علاقتها بإثيوبيا التي يبدو أن الإمارات تتعامل مع رئيس حكومتها بوصفه حليفًا من دون أخذ الموقف المصري في الاعتبار.

تواجه مصر ضغوطًا سعودية للموافقة على رفع الحصار والمصالحة مع قطر، في مقابل ضغوط إماراتية بالتشدّد ضد قطر

وعلى صعيد آخر، تواجه مصر نوعًا من التهميش في قضيتين تعدّهما أساسيتين لجهة حضورها الإقليمي، فقد تسارعت، في الآونة الأخيرة، وتيرة التطبيع بين عدد من الدول العربية وإسرائيل، كما أخذ الحصار المفروض على قطر منذ حزيران/ يونيو 2017 يتداعى، وتواجه مصر ضغوطًا سعودية للموافقة على رفع الحصار والمصالحة مع قطر، في مقابل ضغوط إماراتية بالتشدّد ضد قطر، وهذا كله قبل أيام من تسلّم الإدارة الأميركية الجديدة مهماتها، وفي خضم توقعاتٍ بحدوث تعديلاتٍ في تعاملها مع ملفات المنطقة. وتخشى القاهرة أن يؤدّي قيام مزيد من البلدان العربية بالتطبيع مع إسرائيل إلى تراجع دورها في الشرق الأوسط، وفي أي تسوياتٍ يمكن أن تقترحها إدارة الرئيس المنتخب، جوزيف بايدن، بشأن القضية الفلسطينية، وكذلك في القرن الأفريقي الذي يشهد تعاونًا إسرائيليًا إماراتيًا من دون التشاور مع مصر. أما بخصوص الأزمة الخليجية، فيبدو أن الحراك نحو تسوية هذا الملف يجري بعيدًا عن حسابات مصر التي كانت قد تحمّست لفرض الحصار على الدوحة؛ ما يعني أن سياسة الانحياز غير المدروس في صراعات المنطقة، ومنها الصراع الليبي، قد ألحقت ضررًا بالغًا بالمصالح الأمنية والاقتصادية المصرية، وقد تكون مصر في وارد إعادة النظر فيها.
خاتمة
تعدّ الزيارة التي قام بها وفد أمني وسياسي مصري إلى طرابلس تطوّرًا مهمًا في تعامل مصر الرسمي مع الملف الليبي، منذ انحيازها، سياسيًا وعسكريًا وإعلاميًا، إلى جانب اللواء المتقاعد خليفة حفتر. وعلى الرغم من أن الخطاب الرسمي المصري حرص على وضع الزيارة في إطار التقاليد الدبلوماسية المصرية وجهود رأب الانقسام بين الفرقاء الليبيين، فإنّ تطورات الوضع الليبي، سياسيًا وعسكريًا، إضافة إلى السياقات الإقليمية والدولية، كانت الدافع الأبرز لهذه الخطوة. وتخشى القاهرة من أن يؤدّي انطلاق مسار التسوية في ليبيا بمعزلٍ عنها إلى فقدان تأثيرها، وتراجع مكانتها الإقليمية، في حال واصلت الانحياز إلى طرفٍ ليبي دون آخر، واستمرت في الارتهان الكامل لمشاريع إقليمية تكتفي فيها بأداء أدوار ثانوية، غير أن هذا التعديل، على أهميته، ما زال لا يرقى إلى درجة اعتباره مراجعات استراتيجية في السياسة المصرية تجاه ليبيا، من شأنها أن تقطع مع الموقف السائد منذ وصول السيسي إلى الحكم قبل أكثر من ست سنوات.