تحرير المجال السياسي المغربي

تحرير المجال السياسي المغربي

30 سبتمبر 2021
الصورة

رموز أحزاب مغربية على جدار في مدينة الخميسات (5/9/2021/الأناضول)

+ الخط -

تدفعنا نتائج الانتخابات التشريعية والجهوية والمحلية، التي تمت في المغرب يوم 8 سبتمبر/ أيلول الحالي، إلى ضرورة التفكير في بنية المجال السياسي المغربي، وفي كيفية تحريره من التصوُّرات والأحكام النمطية، المرتبطة بتصوُّر معيَّن لعلاقة النظام السياسي بمجاله العام، باعتبار أن هذا التحرير يقرِّبنا أكثر من أبواب الحرية والمواطنة والديمقراطية. يتعلق الأمر بلزوم التفكير في مكوِّنات هذه البنية، التفكير في الرؤية التي يحرص النظام السياسي القائم على تنزيلها، ويتعلّق الأمر برؤيته الخاصة لمجال سياسي مرتَّب ومتحوِّل في الآن نفسه، والتفكير أيضاً، في نمط التدافع الحزبي وأدوار النخب ومختلف الفاعلين في المجتمع المدني وفي الفضاءات الافتراضية، وقد أصبحت اليوم وجهاً آخر من أوجُه مجتمع متحول.. ومن دون إغفال أنماط التحدّيات المطروحة محلياً وإقليمياً، بحكم أن مختلف تلك العناصر ساهمت في ترك بصماتها في النتائج المحصَّلة في هذه الانتخابات. وضمن هذا الأفق، المرتبط بتفكيرنا في تحرير المجال السياسي، نقرأ النتائج، وضمنه أيضاً، ندرك جوانب أخرى مما جرى قبلها في انتخابات 2016 و2011، ونفهم جوانب عديدة من الحركة التي حَصَلت في المشهد السياسي المغربي، نهاية القرن الماضي 1998، تاريخ انطلاق ما تُعْرف بتجربة التناوب التوافقي.

مؤشّرات عديدة في مشهدنا السياسي والحزبي تؤكّد أن المجال السياسي المغربي تحكمه قواعد محدّدة، بعضها مُعْلَن ومتوافَق بشأنه، وبعضها الآخر يُدرج ضمن موازين القوى الناظمة للمشهد وكيفيات تَـَدَرُّجِه في التطور والتحرّر. ولا نتردّد في القول هنا إن الفاعل السياسي المرتبط ببنية النظام السياسي المغربي، والفاعل السياسي المنخرط في آليات العمل الحزبي بأسمائه المختلفة والمتنوِّعة، يمين، يسار، وسط، الأحزاب الوطنية وأحزاب الإدارة والإسلام السياسي والأحزاب الموسمية.. إنهم جميعاً يتحمّلون جوانب من المسؤولية في كل ما طرأ ويطرأ من متغيِّراتٍ في مشهدنا السياسي، حيث تسود خطاباتهم وشعاراتهم، وتملأ طموحاتهم وصراعاتهم كثيراً من فضاءات التواصل في مجتمعنا، مع ضرورة الانتباه إلى الألوان الجديدة الذي أضفاها العهد الجديد، على مختلف مكوِّنات المشهد السياسي، مقارنةً مع التَّرِكَة التي خلفها الوطنيون المغاربة بمختلف حساسياتهم السياسية.

مشهد سياسي متحرِّك، تخترقه مُعطيات ومفردات وأسماء قادمة من أزمنة مختلفة

نقرأ نتائج انتخابات المغرب خارج دائرة ما يُعرف بالانتقال الديمقراطي، ذلك أن مرور أربعة عقود على شعار الانتقال أفرغه من محتواه الزمني، وَحَوَّلَه إلى مجرّد غطاء لإبراز استئناس النظام بذريعة مُواصِلة دوره الفاعل في تضاريس المشهد السياسي والحزبي، يُرتب التوافقات ويَصنع الأسماء ويختار الشعارات، يتحدّث بأوجه وألسنة مختلفة. يسكت ويدبِّر، يمارس الآخرون مقتضيات الهدف نفسه. نظام سياسي يُرَكِّب الأدوار في تفاعل مع مختلف متغيِّرات المشهد السياسي، ولا يتردّد في التدخل بطُرق مختلفة لترتيب الاحتمالات الممكنة والاحتمالات المرغوب فيها، في ضوء تقديره المتغيرات التي يعرفها المجتمع. لا يعني هذا عدم وجود فاعلين قادرين على اختراق حدوده المرسومة أحياناً بعناية وسلاسة، والمقرّرة أحياناً أخرى بكثيرٍ من الصرامة، بل إن وجودهم، في نظره، يتمّم الصورة ويقرّبها من التناقضات التي تملأ الواقع. وهم في الأغلب الأعم ينخرطون في دوائر اليسار بجميع فصائله، اليسار العاجز عن إدراك المتغيرات الحاصلة في المشهد السياسي أمامه، واليسار الذي أصبح يقبل أن يكون مجرّد رقم في مشهدٍ تحرّكه دواليب جديدة. وقد ساهمت التحوّلات التي عرفها المجتمع المغربي منذ مطالع القرن الجديد ترسيخ هذه الصورة. والسؤال هنا: كيف نساهم في زحزحة النمطية التي استقرّت في مجالنا السياسي؟

نظام سياسي لا يتردّد في التدخل بطُرق مختلفة لترتيب الاحتمالات الممكنة والاحتمالات المرغوب فيها

نواجه، ونحن نقترب من نتائج الانتخابات، سؤال الأعيان والديمقراطية، وهو سؤال قديم، حولته المعطيات التي شهدتها الانتخابات أخيرا إلى ظاهرة لافِتة للنظر، فالحزب الفائز في انتخابات 2021 هو التجمع الوطني للأحرار، أي الحزب الجامع للفائزين في الانتخابات التشريعية لسنة 1978 من خارج الأحزاب، وقد أسّس ما سُمِّي حزب التجمع الوطني للأحرار فائزون ترشحوا للانتخابات خارج قواعد العمل الحزبي، كما تبلورت وتطوّرت في المشهد الحزبي المغربي، حزب أعيان سبعينيات القرن الماضي وثمانيناته، بخياراتٍ ومواقف سياسية موالية للنظام السياسي القائم. وقد وُظِّف سابقاً باعتباره حزب الوسط، وأصبح له مكانٌ بجوار أحزاب اليمين واليسار، وتَمَّ النظر إليه في التدبير (التسيير) السياسي للنظام السائد، باعتباره الحزب المتمم للأغلبيات المنتظرة. حصل هذا في تجربة التناوب التوافقي 1998-2007 مع المرحوم عبد الرحمن اليوسفي، كما حصل مع حزب العدالة والتنمية (2011-2021)، إنه حزبٌ دائم الحضور في الحكومات المتعاقبة منذ تكوينه سنة 1978.

يُحَصِّل حزب التجمع الوطني للأحرار اليوم أكبر عدد من المقاعد في الانتخابات الثلاثية (النيابية والبلدية والجهوية) أخيرا، وتُسند إليه مهمة إدارة الدورة السياسية المقبلة (2021 – 2026) مع حزبٍ مُمَاثِل له في البنية السياسية العامة، حزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال، حيث يساهم حضور إسم الأخير في صورته القديمة الجديدة، ليخفي مشروع تجاوز الأحزاب القديمة في أجندة النظام السياسي المغربي، بمبرّر أن مقتضيات راهن العمل السياسي ترتبط اليوم بشروط ومواصفات مختلفة تماماً عن شروط الأزمنة التي تبلورت فيها أحزاب الحركة الوطنية ابتداء من أربعينيات القرن الماضي. ولا نريد هنا أن نتحدّث عن مختلف التراجعات والانتكاسات التي حصلت طوال فترة حزب العدالة والتنمية في الحكم، ولا عن الأدوار المنتظرَة من الأغلبية الجديدة التي ستواجه مسألة تنزيل المبادئ العامة لمشروع النموذج التنموي الجديد، الأمر الذي نفترض أنه سيُنتج الحدث في الدورة السياسية الجديدة، وذلك بحكم الوضع العام في المجتمع، الوضع الناتج عن تداعيات كورونا، وتداعيات تجربةٍ في التداول السياسي بمخلَّفات كارثية في السياسة والاقتصاد والمجتمع، إضافة إلى تصاعد التوتر بين المغرب والجزائر .. الأمر الذي يدفع إلى مزيد من التأكيد على ضرورة مراجعة آليات عمل المجال السياسي، التفكير في مآلات العمل الحزبي، التفكير في الحزب والأحزاب في مشهدٍ سياسيٍّ متحرِّك، تخترقه مُعطيات ومفردات وأسماء قادمة من أزمنة مختلفة، شباب تحرّكه نشوة فضاءات افتراضية بمواصفات في الحضور والفعل، تُتَمِّم وتخترق وتصنع جملة من الأحداث، وفي قلب هذا المجال بقايا يمين محافظ وشتات من اليسار.. وأحزاب موسمية، والجميع تحرّكه أسئلة مختلطة.. فمن يُحرِّر المجال السياسي العام اليوم في المغرب؟