تحدّيات الإدارة السورية الجديدة بين المتطلّبات الداخلية والضغوط الخارجية

16 فبراير 2025

الرئيس الشرع والشيباني وخلفهما محمد البشير وآخرون في دمشق (22/12/2024 الأناضول)

+ الخط -

بعد مرور نحو شهرين على سقوط نظام بشار الأسد، في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، لا تزال الإدارة السورية الجديدة تواجه تحدّيات داخلية وخارجية كبرى، محاوِلةً إعادة تشغيل مؤسّسات الدولة، على الرغم من شُحّ السيولة، وعدم قدرتها على دفع رواتب موظفي القطاع العام، الذين يعيش كثيرون منهم حالة قلقٍ بشأن مستقبلهم الوظيفي، حيث تجري دراسة أوضاعهم وتقييم مدى الحاجة إلى استمراراهم في عملهم. وكانت الإدارة الجديدة عقدت، في 29 كانون الثاني/ يناير 2025، "مؤتمر النصر"، وجمع قادة الفصائل المشاركة في غرفة العمليات العسكرية، وانتهى باتخاذ جملة قراراتٍ، أبرزها وقف العمل بدستور 2012، وحل الجيش والأجهزة الأمنية ومجلس الشعب، وحظر حزب البعث، وحل الفصائل المسلحة المشاركة في غرفة العمليات العسكرية، بما فيها هيئة تحرير الشام، وانتخاب أحمد الشرع رئيسًا انتقاليّاً إلى حين صياغة دستور جديد وإجراء انتخابات.

تحدّيات الداخل

يعدّ ضبط الأمن وتحسين الأوضاع المعيشية أبرز التحدّيات الداخلية التي تواجه الإدارة الانتقالية السورية بقيادة الشرع، وهما مرتبطان ارتباطاً وثيقاً بالقدرة على إعادة تشغيل مؤسّسات الدولة، وتقديم خريطة طريق واضحة للمرحلة الانتقالية. على المستوى الأمني، نجحت الإدارة الجديدة، عشية سقوط النظام، في حفظ السلم الأهلي، من خلال منع وقوع حوادث انتقام على نطاق واسع بين فئات المجتمع، كما تمكّنت من الحفاظ على مؤسّسات الدولة، إذ لم تحدُث عمليات نهب وتخريب كبيرة لحظة سقوط النظام. ومع ذلك، تظلّ التحدّيات الأمنية جسيمة، وفي مقدّمتها جمع السلاح، الذي انتشر على نطاق واسع، حيازةً وتجارةً، في مختلف المناطق السورية عقب سقوط النظام. وعلى الرغم من نجاح الإدارة الجديدة في بسط سلطتها في مراكز المدن الكبرى، فإنها تواجه عقباتٍ أمنيةً في مناطق مختلفة، خاصة في ريف الساحل، حيث تتعرّض قوى الأمن التابعة لها لهجمات متكرّرة، تأخُذ على نحو متزايد طابع حرب العصابات، من جانب فلول النظام السابق التي ترفض التسوية، وتسعى إلى التفاوض على عفو عام عن قادتها وعناصرها. وإضافة إلى ذلك، تعمل الإدارة الجديدة على ضبط مناطق الحدود المشتركة، ولا سيما مع لبنان، حيث تتمركز قوى تعمل في تهريب السلاح والمخدّرات، ويُؤوي بعضُها عناصر من النظام السابق. 

يعدّ ضبط الأمن وتحسين الأوضاع المعيشية أبرز التحدّيات الداخلية التي تواجه الإدارة الانتقالية السورية بقيادة الشرع

وفي حين تسعى الإدارة الجديدة إلى إعادة بناء أجهزة وزارة الداخلية من خلال تجنيد عناصر جديدة وتدريبها، بهدف ضبط مظاهر العنف المجتمعي الناتج، خصوصاً، من توترات طائفية وعمليات انتقامية، وإن كانت محدودة النطاق، يبقى تركيزها منصبّاً على دمج مختلف الفصائل العسكرية ضمن هيكلية وزارة الدفاع الجديدة. وفي وقتٍ أبدت فيه فصائل عديدة موافقتها على حل نفسها والانضمام إلى الجيش الجديد، تواصل فصائل أخرى مقاومة مقترح الدمج بذرائع مختلفة، خاصة في درعا والسويداء. لكنّ التحدّي الأكبر الذي يواجه الإدارة الجديدة في هذا المجال يتمثل في موقف قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تملك جيشاً يتراوح قوامه بين 40 و60 ألف مقاتل، وتبسط سيطرتها على ثلاث محافظات سورية في شمال البلاد وشرقها (الرقة والحسكة ودير الزور)، تشكّل مجتمعةً نحو ربع مساحة البلاد الغنية بالثروات الطبيعية. وتشترط "قسد" للانضمام إلى الإدارة الجديدة الاحتفاظ بسلاحها، والاندماج بوصفها كتلة، وليس أفراداً، في الجيش الجديد، مع الإبقاء على السيطرة المدنية على مناطقها (من خلال مؤسّسات الإدارة الذاتية التي أنشأتها). بعبارة أخرى، وافقت "قسد" على الاندماج شكليّاً في الإدارة الجديدة، بينما يبقى الوضع فعليّاً على حاله، مع إبداء استعدادها لتقاسم الثروات الطبيعية في مناطق سيطرتها مناصفةً مع دمشق. وتستند "قسد" في مواقفها التفاوضية إلى الدعم الأميركي، حيث لا تزال واشنطن تعتبر وحدات حماية الشعب الكردية، التي تمثل العمود الفقري ل"قسد"، أداتها الرئيسة في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش"، وضبط السجون التي تضم آلافًا من عناصره وعائلاتهم (خاصة في مخيم الهول وسجن غويران). وتعدّ هذه السجون إحدى الأوراق الرئيسة التي تضمن استمرار الدعم الأميركي لها، لذا ترفض قسد التخلي عنها. ولكنّ الولايات المتحدة الأميركية تناقش حاليّاً مع تركيا إمكانية تولّي الأخيرة مسؤولية هذه السجون.

لا يمكن أن تحقق الإدارة الجديدة النجاح من دون الاستفادة من القوى والكفاءات الكثيرة القائمة في الداخل السوري

أما اقتصادياً، فتواجه الإدارة الجديدة صعوباتٍ لا تقلّ أهمية عن التحدّيات الأمنية، إذ ورثت بلدًا مدمّراً واقتصاداً منهكاً وبنية تحتية معطّلة. ومع دخول هذه الإدارة شهرها الثالث في الحكم، فإنها لا تزال غير قادرة على إعادة تشغيل مؤسّسات الدولة، أو دفع رواتب موظّفي القطاع العام، الذين لم تُخفِ حكومة تصريف الأعمال رغبتها في التخلّي عن جزءٍ كبير منهم في إطار عملية إعادة هيكلة واسعة، قد تؤدّي إلى الاستغناء عن نحو نصف العاملين فيه. وكان وزير التنمية الإدارية في حكومة تصريف الأعمال حدد حاجة القطاع العام إلى عدد إجمالي من الموظفين والعاملين يراوح ما بين 550 و600 ألف من أصل 1.3 مليون حالياً، كما تحدّث وزير المالية عن عمليات فساد كبرى في مؤسّسات الدولة تشمل وجود نحو 400 ألف موظف "شبح" يتقاضون رواتبهم من دون أن يلتحقوا بأعمالهم فعليّاً. وإذا أضيف إلى هؤلاء عناصر الجيش وأجهزة الأمن ووزارة الداخلية التي جرى حلها، فإن إجمالي عدد الذين فقدوا وظائفهم منذ سقوط النظام يقدّر بنحو مليون شخص، وهذا يهدّد بنشوء كتلةٍ اجتماعيةٍ ناقمة عابرة للطوائف السورية. وفي حال عدم إيجاد فرص عملٍ بديلة، فإن ذلك قد يؤدّي إلى اضطرابات اجتماعية، في المدى المنظور، على خلفية معيشية.

وما يزيد من صعوبة الوضع الاقتصادي تجفيف الحكومة السيولة في الأسواق؛ فمن جهةٍ لا تزال وزارة المالية عاجزةً عن دفع رواتب القطاع العام، ومن جهةٍ أخرى تحاول الاحتفاظ بمستوى معيّن من الاحتياطات النقدية الطارئة، ما أدّى بها إلى تجميد الأموال المودعة في البنوك لصالح التجار والصناعيين، وفرضها سقفاً على عمليات سحب المواطنين للسيولة. وترافق ذلك كله مع غزو البضائع التركية الأسواق السورية عشية سقوط النظام، ما أدّى إلى توقّف شبه كامل لعجلة الإنتاج المحلي. وزيادة على ذلك، ارتفعت قيمة الليرة السورية أمام الدولار بنحو 50% خلال الأسابيع الأخيرة، على الأرجح، بسبب عمليات مضاربة في سوق العملة التي عمّتها الفوضى بعد السماح بتداول العملات الأجنبية. غير أن هذا الارتفاع لم يرافقه انخفاضٌ مماثلٌ في أسعار السلع الأساسية، بل على العكس، إذ ظلت أسعار المحروقات، على سبيل المثال، مرتفعة؛ ما أثّر في حركة النقل، بما في ذلك ذهاب الموظفين إلى أعمالهم، خاصة أن رواتبهم قد توقّفت. وعلاوة على ذلك، يضطر الناس الذين يحتفظون بمدّخراتهم بالدولار أو بالذهب إلى صرف مزيدٍ منها للحصول على الليرة السورية التي صار وجودها نادراً في الأسواق، ما يهدّد ما تبقّى من مدّخرات لديهم. 

تواجه الإدارة الجديدة ضغوطاً تركية كبيرة من أجل التخلي عن المسار الدبلوماسي، والتحرّك عسكريّاً ضد "قسد" المدعومة أميركيّاً

سياسيّاً، على الرغم من تقديم الإدارة الجديدة أفكاراً (غير متسقة أحياناً) حول ترتيبات المرحلة الانتقالية، فإنها لم توفّق بعدُ في تقديم تصور شامل منسجم بشأنها. وقد حاول الشرع تقديم مقترح للمرحلة الانتقالية، في خطاب ألقاه بعد مؤتمر النصر، حيث نصّبته الفصائل المسلحة رئيساً انتقاليّاً، وأناطت به مسألة تعيين مجلس تشريعي مؤقت إلى حين وضع دستور جديد وإجراء انتخاباتٍ، لكنه لم يحدّد جدولاً زمنيّاً واضحاً لاختيار الهيئة التشريعية، أو لعقد مؤتمر الحوار الوطني، ولم يحدّد صلاحيات هذا المؤتمر ومهماته أيضاً، على الرغم من اتخاذه خطوة نحو ذلك بتعيين لجنة تحضيرية، ولم يُصَغ كذلك إعلان دستوري يحدّد صلاحيات السلطة التنفيذية وسلطاتها بعد وقف العمل بدستور 2012. وفي غياب دستور، أو إعلان دستوري مؤقت، يحكم البلاد ويوضح الصلاحيات ويحدّد الحقوق والواجبات، تتّخذ السلطات الانتقالية قراراتٍ جوهرية، مثل إعادة هيكلة مؤسّسات القطاع العام، واعتماد نظام اقتصادي ليبرالي، مع أنها، من المفترض، لا تمتلك خطة أو توجهًا واضحاً بشأن قضايا البلاد الاجتماعية والاقتصادية وطبيعة نظام الحكم فيها. وعلى الرغم من وجود إجماع وطني على ضرورة إنجاح تجربة الانتقال السياسي في سورية، وهو ما ساعد الإدارة الجديدة في تجاوز عقباتٍ كثيرة من خلال منحها فرصة للقيام بعملها، فإنه بقي غير مفعّلٍ في الممارسة العملية في هذه المرحلة. وفي هذا السياق، لا يمكن أن تحقق الإدارة الجديدة النجاح من دون الاستفادة من القوى والكفاءات الكثيرة القائمة في الداخل السوري، على مستوى المجتمع أو جهاز الدولة، وكذلك في الشتات، ولا ينبغي غربلتها استناداً إلى معايير أيديولوجية.

تحدّيات الخارج

تستثمر الإدارة الجديدة وجود إجماع عربي ودولي على ضرورة احتضان التغيير في سورية ومنع انزلاقها نحو الفوضى. وفي هذا الإطار، كانت الولايات المتحدة، في عهد الرئيس السابق جو بايدن، من أوائل الدول التي بادرت بالتواصل مع القيادة السورية الجديدة، حيث أرسلت وفداً رفيع المستوى من وزارة الخارجية إلى دمشق لحثّها على تشكيل حكومة شاملة وضمان قيادة البلاد بعيداً عن الفوضى. وجاء التحرّك الأميركي مدفوعاً بنجاح الإدارة الجديدة في منع الاقتتال الطائفي وكبح نزعات الانتقام. وفي إثر ذلك، شهدت دمشق زيارات مكثّفة لمسؤولين عرب وأجانب، حيث كان أمير دولة قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أول رئيس دولة يزورها، في حين كانت المملكة العربية السعودية أول دولة يزورها الشرع بعد تنصيبه رئيساً، قبل أن يتوجه بعد ذلك إلى تركيا. وعلى الرغم من أهمية هذه الزيارات والاتصالات، لم تؤدِّ إلى نتائج جوهرية تتجاوز إطار المساعدات الإنسانية والإغاثية، التي تقدّمها أساساً دول خليجية، وبعض الدول الأوروبية، إلى جانب اتفاق مع قطر في مجال الكهرباء وبعض القضايا الأخرى. وفي الوقت الحالي، يتمثل التحدّي الأبرز في رفع العقوبات الدولية، وسط ترقّب الجميع لتبلور إطار سياسي واضح للمرحلة الانتقالية، يعكس استعداد الإدارة الجديدة للانفتاح على القوى السياسية السورية وعدم الاستئثار بالسلطة، أو فرض لون أيديولوجي معيّن على المجتمع السوري المتعدّد الطوائف والتوجهات السياسية والاجتماعية.

وعلى الرغم من تعليق الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بعض العقوبات المفروضة على سورية، لم يقلّل هذا الأمر من الحذر إقليميّاً ودوليّاً بشأن زيادة المساعدات المقدّمة إلى سورية، في انتظار تبلور موقف إدارة الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب من التغيير في سورية، ووجود مخاوف من تأثره بالموقف الإسرائيلي غير المتحمّس للنظام الجديد في دمشق.

 ينبغي تبنّي خطة واضحة متكاملة ومتفق عليها للانتقال السياسي، تشمل مساراً واضحاً للعدالة الانتقالية، بالتوازي مع عملية مصالحة وطنية

وفي حين أن الإدارة السورية الجديدة، ومعها دول عديدة، تدعو إلى رفع العقوبات الأميركية والأوروبية بالكامل، باعتبار أنها كانت مفروضة على النظام السابق، بهدف تشجيع تدفق الاستثمارات السورية والعربية والأجنبية، وإطلاق عملية إعادة الإعمار، فإن سورية تواجه تحدّيات خارجية رئيسة مصدرها إسرائيل خصوصاً، فمنذ سقوط النظام، كثّفت إسرائيل عملياتها العسكرية داخل الأراضي السورية، حيث تتوغل يوميّاً فيها، واحتلت نحو 600 كيلومتر مربع إضافية من الأراضي السورية، بما فيها كامل المنطقة العازلة التي أُنشئت بموجب اتفاقية فضّ الاشتباك بين سورية وإسرائيل لعام 1974. كما دمرت القدرات العسكرية السورية بنسبة تصل إلى 85% عشية سقوط النظام، بهدف إفقاد السلطات الجديدة القدرة على بسط سيادتها على كامل الأراضي السورية. وفي الوقت نفسه، تحاول تشجيع النزعات الانفصالية من خلال مد الجسور مع بعض الفئات داخل المجتمع السوري، ولا سيما "قسد".

في المقابل، تواجه الإدارة الجديدة ضغوطاً تركية كبيرة من أجل التخلي عن المسار الدبلوماسي، والتحرّك عسكريّاً ضد "قسد" المدعومة أميركيّاً، لاستعادة السيطرة على مناطق شرق الفرات، وطرد قوات حزب العمال الكردستاني منها. وبالتوازي مع ذلك، تضغط تركيا من أجل إحياء اتفاقية التجارة الحرّة لعام 2007 مع سورية، وتحاول التحرّك سريعاً لترسيم الحدود البحرية مع السلطات الجديدة في دمشق؛ ما من شأنه أن يعزّز موقفها في النزاع مع قبرص واليونان بخصوص استثمار ثروات شرق البحر الأبيض المتوسط. وقد تؤدّي هذه الخطوة إلى توتّر مع الاتحاد الأوروبي، الذي يمارس ضغوطًا على الحكومة السورية الجديدة لإغلاق القواعد العسكرية الروسية في طرطوس وحميميم. وأمام هذه المعادلات الإقليمية، تحاول الإدارة السورية الجديدة تجنّب القطيعة كليّاً مع روسيا، التي تحتاج إليها في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة من أجل رفع تصنيف أحمد الشرع وهيئة تحرير الشام من قوائم الإرهاب، وهي خطوة مهمّة نحو كسب الاعتراف بشرعية النظام الجديد في دمشق الذي يجهد لتحقيق توازن دقيق في علاقاته الخارجية في بيئة إقليمية ودولية شديدة التنافسية.

خاتمة

تواجه الإدارة السورية الجديدة مجموعة واسعة من التحدّيات الخارجية والداخلية، التي تحتاج إدارتها إلى كثير من الحنكة والصبر، ولا سيما في واقع أمني واقتصادي وسياسي معقّد خلّفته عقود من سياسات النظام السابق، فضلاً عن تضارب المصالح الإقليمية والدولية في سورية. وحتى تنجح هذه الإدارة في التعامل مع هذه الاستحقاقات، تحتاج إلى التخلّي عن حذرها في التعامل مع المجتمع السوري، بما يسمح بإدماج كل فئاته في عملية إعادة بناء الدولة. وإضافةً إلى ذلك، ينبغي تبنّي خطة واضحة متكاملة ومتفق عليها للانتقال السياسي، تشمل مساراً واضحاً للعدالة الانتقالية، بالتوازي مع عملية مصالحة وطنية، تساعد في طيّ صفحة النظام السابق نهائيّاً والتطلع إلى المستقبل في بناء سورية الجديدة.