تجويع وتركيع وتطبيع

27 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

لعل الخديعة التقليدية الدارجة، المعمول بها لدى الباعة الجوّالين، لتسويق البضاعة المغشوشة، في كل مكان وزمان، سيما في القرى النائية والأحياء البعيدة عن المركز، تقوم على ثلاث قواعد متداخلة، أولاها استخفاف البائع بالمشتري ومعرفته المسبقة بضآلة مدركات الضحية، وثانيها الاتكال على جهل المستهلك للمواصفات القياسية المعتمدة للسلعة المعروضة، أما الثالثة فهي إغراء الزبون بانخفاض سعر مادة رائجة وعليها إقبال شديد في أسواق المدينة.

وأحسب أن نجاح إدارة ترامب في بيع صفقة التطبيع مع إسرائيل، بكل هذه السهولة، من دون إخفاء توقيتها ورقة انتخابية، قد ارتكزت على أضلاع مثلث هذه الخدعة المكشوفة لكل ذي عين بصيرة، حيث جرى تصوير الصفقة وعرضها على الغريق السوداني خشبة خلاص وحيدة، وطوق نجاة أخير من حومات بحر الفقر الممسك بتلابيب وجلابيب شعب تم تجويعه في غضون السنوات الطويلة الماضية، بغرض ابتزازه وإذلاله، خصوصا في زمن ما بعد الثورة على نظام عمر البشير، وبالتالي تقديم الصفقة كأنها جائزة بثمن بخسٍ ومقدور عليه.

وإلى أن يتبيّن للسودانيين، المتحمسين للتطبيع بعماء بصيرة، الخيط الأبيض من الخيط الأسود، في غضون فترةٍ قد لا تكون طويلة، ويكتشفوا بأنفسهم عفن مادة هذه البضاعة المسمومة، سوف نسمع كلاماً مرسلاً عن الفوائد الاستثمارية الأجنبية لعملية شطب الخرطوم من لائحة الإرهاب الأميركية، وسيجري حديثٌ طويل عن عوائد التوظيفات الإسرائيلية الهائلة في البنية التحتية لأراضي سلة الغذاء العربية، ناهيك بما سيصم الآذان عن فضائل عودة البلد العربي الكبير إلى أحضان الأسرة الدولية.

في سياقٍ بدأ بالتجويع، والتركيع المفضي إلى التطبيع، يبدو ذلك كله مفهوماً في هذه اللحظة السياسية الملتبسة على نخبٍ سياسيةٍ سودانيةٍ تستعجل الخلاص من براثن الضنك والحصار والقلة، وإن لم يكن مقبولاً على الأكثرية الكاثرة من العرب العاربة والمستعربة، بمن فيهم الفلسطينيون، الجاري تحميلهم أوزار الانهيارات المدوّية في أربع جهات الرقعة العربية، وتصوير مواقفهم المبدئية على أنها العلة الأساس لكل ما تفاقم من أوضاع هذه الأمة، الأمر الذي يسوّغ للمهرولين على دروب التطبيع، والحالة هذه، الإسراع قبل فوات الأوان في إتمام هذه المهمة.

وليس من شك في أن لسان حال الفلسطينيين القابضين بأيديهم العارية على الجمر، بما في ذلك جمر عمليات التطبيع أخيرا، يقول لمن غرّه السراب، وخلط بين الشحم والورم: طبّعوا ما شاءت لكم طباع الغدر وقلة المروءة، وتهافتوا كما شاء لكم الرجل البرتقالي الأرعن في البيت الأبيض، ولكن لا تقولوا إن هذا من أجل فلسطين، ولا توهموا أحداً أن كل هذا الاسترضاء لراعي هذه العملية الماجنة كان لوقف الضم، أو للخروج من حالة الاستعصاء، وتجريب خيار "السلام مقابل السلام" فيما الحرب دائرة على الوعي والذاكرة والأرض بضراوة، والحصار محكمٌ بشدة، والاستيطان يسابق نفسه بنفسه.

ما يثير الحفيظة حقاً، ويدعو إلى الارتياب بالمقاصد المستترة وراء هذه الاندفاعة المتهورة على طريق التطبيع، ظهور سودانيين (لا نعرف أين كانوا) على وسائل إعلام مختلفة، خصوصاً على الشاشات الإسرائيلية، وهم يهللون ويسبّحون بحمد انفتاح عاصمة اللاءات الثلاث على آخر دولة احتلال على وجه الأرض، كمن صحوا من غفلتهم المديدة، ثم راحوا يشيطنون الفلسطينيين قياماً قعوداً، وفوق ذلك يشنون هجماتٍ كلاميةً معيبةً على من لم يكن لهم ضلع في إفقار السودان، ولا في تحويله أرض يباب، تحت حكم فاسد مستبد ثلاثة عقود كالحة.

ليس من المجدي الوقوف موقف الدفاع عن النفس أمام كل هذه الاتهامات الظالمة، أو السجال مع أصحاب هذا الفيض من التقوّلات المغرضة، كما ليس من اللائق تقديم النصح والعظات لأصحاب الثورة السودانية الفتية، وهم الذين لم يقولوا كلمتهم الأخيرة بعد، إذ لا بديل للقابضين على جمر المواقف المبدئية سوى الاعتصام بالصبر والحكمة، والثبات على الحق، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً، فلا أحد يستطيع الدفاع عن الحق مثل الحق نفسه، وإن طال مطال المجذفين بالباطل، ولا يجيد تصويب اختلال دروب الصواب الحقيقي إلا الصواب ذاته، حتى وإن تكاثرت الأضاليل، وغرّت الناظر، للوهلة الأولى، أحابيل متقنة الصنع لتسويق تلك البضاعة الفاسدة، تماماً على نحو ما نراه رؤية العين المجرّدة في هذه المرحلة التطبيعية العصيبة.

45AB6A9D-38F9-4C2C-B413-9E5293E46C8D
عيسى الشعيبي