"تجريب" المجرّب

24 يوليو 2026

احتفت السلطات اللبنانية قبل أيام ببدء تنفيذ الاتفاق الإطاري الذي أبرمته مع إسرائيل الشهر الماضي (يونيو/ حزيران). كانت البداية في تدشين ما سميت "المناطق التجريبية"، وهو ما كان مقرّراً قبل أكثر من أسبوعين، غير أن المماطلة الإسرائيلية أخّرته بمجموعة ذرائع، قبل أن تضطر إلى الموافقة على التنفيذ في أعقاب زيارة الرئيس اللبناني جوزاف عون واشنطن ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب. ... لكن هل هناك حقاً ما يدعو إلى الاحتفاء، وهل هناك أفق فعلاً لهذا الاتفاق الإطاري الذي تسوّقه السلطات اللبنانية؟

إذا كان هذا الاحتفاء هو ببدء الانسحاب الإسرائيلي من قرى ومناطق لبنانية احتلها خلال الحرب، فإن هذا الواقع غير دقيق كلياً، فالحديث هو عن ثلاث قرى لبنانية، فرون وصريفا وزوطر الغربية، من المفترض أنها محتلة من القوات الإسرائيلية، وسيدخل إليها الجيش اللبناني لبسط "سيادة الدولة". إلا أن الحقيقة أن هذه القرى ليست فعلياً محتلة، والجيش الإسرائيلي لم يثبت أقدامه فيها، فهي كانت منطقة عمليات للاحتلال وليست مستقرّاً، وبالتالي الحديث عن انسحاب إسرائيلي مجاف للحقيقة.

لعل الاحتفاء الأساسي الذي يجب أن يفرح فيه اللبنانيون هو زيارة رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى الجنوب للإشراف على بدء تطبيق الاتفاق الإطاري، وهي من المرّات القليلة التي زار فيها رئيس حكومة لبناني عمق الأراضي الجنوبية، وهو ما يحسب فعلياً لسلام. ولكن بغض النظر عن هذه النقطة الإيجابية، ماذا تتوقع السلطات اللبنانية في الخطوة الثانية من تنفيذ الاتفاق الإطاري. وهنا ليست هذه العبارة استفهامية بالمطلق. فإذا كان التوقع تنفيذ إسرائيل كلياً للانسحاب من الأراضي التي احتلتها في جنوب لبنان، فإن هذا أقرب إلى الوهم بناء على المثل الذي يقول "من جرّب المجرب عقله مخرّب". فبناء على تاريخ إسرائيل الاستعماري الاستيطاني في المنطقة، وخصوصاً في الظروف التي يعيشها الشرق الأوسط وتوسع احتمالات تجدّد الحرب مع إيران، فإن إسرائيل ستتعنّت أكثر من أي وقت مضى للحفاظ على ما سمته "الخط الأصفر"، باعتبارها منطقة عازلة بين الأراضي اللبنانية وحدود فلسطين المحتلة، تحسّباً لاستئناف حزب الله إسناده إيران في الحرب.

ولن تعْدَمَ دولة الاحتلال في تقديم الذرائع لعدم الالتزام في تطبيق بنود الاتفاق الإطاري، كما فعلت سابقاً في كل الاتفاقات التي أبرمتها، سواء مع السلطة الفلسطينية أو عدة دول عربية. وإسرائيل، هذه المرّة، مدعومة كلياً من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي رفض خلال لقائه الرئيس اللبناني تقديم تعهد واضح بالانسحاب الإسرائيلي، ورمى الكرة في الملعب اللبناني و"تجريب" قدرة القوى الأمنية اللبنانية على تطبيق بنود الاتفاق الإطاري، وهو نفسه ما تتحدث به دولة الاحتلال.

على هذا الأساس، لا شيء متوقعٌ في المستقبل القريب أكثر مما قامت به إسرائيل حالياً، وهو التوقف الجزء عن العمل الحربي في هذه المناطق التي دخلت إليها القوات اللبنانية، من دون أن يعني هذا أنها لن تنفذ أي ضربات لاحقاً في هذه المناطق بناء على تقديراتها الخاصة التي لا يناقشها فيها أحد. وهذا أيضاً لا يعني أن الغارات والاستهدافات الإسرائيلية ستتوقف في مناطق أخرى من الجنوب اللبناني، وهو ما ظهر بعد يوم من بدء تنفيذ الاتفاق، إذ أغارت الطائرات الإسرائيلية على النبطية الفوقا والمناطق المحيطة بها، وهو ما يتوقع أن يستمر في المرحلة المقبلة.

تبرّر السلطات اللبنانية الاتفاق والتفاهم مع إسرائيل بحماية لبنان مما يجري في المنطقة وفتح الباب أمام دعم أميركي لإعادة الإعمار. لكن هذين الأمرين ليسا بيد الدولة اللبنانية، فأي اتفاق لن يمنع دخول لبنان في دائرة الجبهات في حال قرر ترامب استئناف الحرب على إيران، وهو ما تنتظره إسرائيل بفارغ الصبر، إضافة إلى أن لا وعد أميركياً صريحاً بالمساعدة في إعادة الإعمار قبل نزع سلاح حزب الله. وهو أمر تدرك الدولة اللبنانية أنه شبه مستحيل.

حسام كنفاني
حسام كنفاني
صحافي لبناني، يشغل حاليًا منصب مدير قطاع الإعلام في فضاءات ميديا، له منشورات في عدّة صحف لبنانية وعربية. يعمل في مجال الصحافة منذ أكثر من 25 عامًا، وهو من مؤسّسي موقع وصحيفة "العربي الجديد".