تبدّل الأهداف الفلسطينية الثابتة

08 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

تاريخيًا، شكّل الاستقلال الكامل وعلى كل الأراضي الوطنية هدف حركات التحرّر، ولم يتغير الهدف، على الرغم من تغير أدوات الصراع بين تجربةٍ وأخرى، وقد بقي ثابتًا طوال صراع حركات التحرّر مع الدول المِستعمرة. وكانت وظيفة قادة الحركات إدارة الصراع للحصول على الاستقلال في أقرب وقت ممكن، وبأفضل الوسائل، ففي كل هذه التجارب كان الهدف ثابتًا، وكانت الوسائل تختلف حسب ظرف حركة التحرّر هذه أو تلك، من دون المس بالهدف الثابت، الاستقلال ورحيل الاستعمار.

على عكس التجارب الأخرى، افتقدت التجربة الفلسطينية ثبات الهدف، على الرغم من طبيعتها قضية تحرّر وطني. تغير الهدف النهائي عدة مرات، وشكل هذا أعقد المشكلات البنيوية في هذه التجربة، فقد كان على القرار السياسي الفلسطيني أن يخدم ويبرّر تغيرات الهدف الرئيسي.

افتقدت التجربة الفلسطينية ثبات الهدف، على الرغم من طبيعتها قضية تحرّر وطني

بدأت تجربة العمل المسلح في الساحة الفلسطينية في العام 1965، وكان المطروح تحرير فلسطين الواقعة تحت "الاحتلال الصهيوني"، فعند انطلاقتها لم تكن قد ولدت مشكلة احتلال 1967. رفعت الفصائل الفلسطينية شعار تحرير فلسطين التي احتلت في 1948، أو توريط الدول العربية في حرب مع هذا "الكيان" من أجل تحرير فلسطين، فقد ولدت المشكلة الفلسطينية جرّاء استيلاء العصابات الصهيونية على الأرض الفلسطينية وطرد سكانها. طرحت القيادة الفلسطينية هدف تحرّر فلسطين "من النهر إلى البحر"، وهي القيادة ذاتها التي بقيت على رأس منظمة التحرير، وعلى رأس الفصائل الفلسطينية، عقودا. بعد هزيمة 1967 والظروف التي تلتها والوقائع الجديدة التي فرضتها، أدارت القيادة السياسة الفلسطينية، ليتحول الهدف النهائي من "تحرير كامل التراب الوطني .." إلى "إقامة الدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع"، من الرفض المطلق، في نهاية الستينيات، للتعامل مع القضية الفلسطينية بوصفها "قضية لاجئين"، وبالتالي رفض قرار مجلس الأمن 242، إلى اعتباره أساس الحل في أي تسوية. كان على القرار السياسي البحث عن مبرّرات لهذه التغيرات في الهدف الاستراتيجي، وتبرير القبول بأهدافٍ كانت مرفوضة من القوى ذاتها والقيادات ذاتها. لتتحوّل إلى مطالب وأهداف مقبولة، ومن حلول خيانية واستسلامية وتصفوية إلى حلول وطنية. وأصبح هذا الانتقال يعتبر تحولاتٍ في الفكر السياسي الفلسطيني، أو تعبيراً عن نضج فلسطيني، وتحولاً إلى الواقعية والعقلانية. 

لم تفسّر هذه التحولات بوصفها استمرارا للأهداف السابقة، فقد تم تفسيرها بوصفها ممرًا إجباريًا للحركة الفلسطينية، لحماية نفسها من التصفية. وحتى دعاة العقلانية والواقعية في الساحة الفلسطينية لم يقدّموا تصوّرهم بوصفه الحل الأفضل، بقدر ما قدّموه أنه أفضل الحلول الممكنة في ظل المعطيات القائمة، وتصرّفوا وكأن الدعوة إلى التسوية قباحة يُرغمون عليها إرغامًا. حتى أن المعارضة الفلسطينية للتنازلات الفلسطينية كانت تبرّر مواقفها السياسية الجديدة التي كانت ترفضها سابقًا، بأنها مجبرة عليها، وأنها تؤيدها كـ"مشاريع اعتراضية" على تنازلات "القيادة اليمينية" لمنظمة التحرير. ولكن في نهاية الثمانينيات، كانت كل الفصائل الفلسطينية توافق على حلول كانت تعتبر في السنوات الأولى لانطلاقة العمل الفلسطيني المسلح المعادل الموضوعي للخيانة.

من السقوف العالية جدًا، بدأت رحلة التحولات التي كان على القيادة الفلسطينية أن تكرّسها بقراراتٍ عبر مؤسسات منظمة التحرير. بدأت الرحلة من أقل الحلول خلافًا، وهو مطلب "الدولة الفلسطينية الديمقراطية" كصيغة للتعايش اليهودي ـ الفلسطيني داخل فلسطين المحرّرة. ومنها كان الانتقال في 1974 إلى برنامج "السلطة الوطنية"، وهو التحول الذي ارتبط مع حرب 1973، ولم يكن الطريق سهلًا في الوصول إلى "برنامج النقاط العشر"، فقد شق هذا البرنامج الساحة الفلسطينية إلى فريقي "الرفض" و"القبول". وقد جمّدت الجبهة الشعبية، على أثر إقرار البرنامج في المجلس الوطني، عضويتها في المنظمة، وشكلت ما عُرف وقتها بـ"جبهة الرفض للحلول الاستسلامية". وقد افتتح البرنامج المرحلي مرحلة طويلة من التحولات والتراجعات الفلسطينية، وصلت، في النهاية، إلى الإقرار بقرار مجلس الأمن 242 أساسا وحيدا للتسوية مع إسرائيل. 

بفقدان آليات المحاسبة والمساءلة التي تتيح للشعب مساءلة قيادته، في كل مرحلة، فقد تمّت الهيمنة على القرار السياسي الفلسطيني

وعادت الساحة الفلسطينية إلى الوحدة في برنامج المجلس الوطني لسنة 1977، المعروف ببرنامج النقاط الخمس عشرة، لم يرد ذكر لسلطة الشعب الوطنية المقاتلة، وحلت محلها "دولة وطنية مستقلة فوق التراب الوطني"، وقد بقي مكان هذه الدولة غير واضح المعالم. وشكّل هذا البرنامج نقطة الوسط الإجماعية التي نقلت نقلتها الأخيرة في المجلس الوطني في دورته التاسعة عشرة في الجزائر 1988، والتي جاءت بالموافقة الصريحة والإجماعية، على الرغم من تحفظات بعضهم، على أن قراري مجلس الأمن 242 و338 أساس لمشاركة منظمة التحرير في المؤتمر الدولي، بعد ربطها بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني. وجاء النص واضحًا على ضرورة انعقاد المؤتمر الدولي الفعال الخاص بقضية الشرق الأوسط وجوهرها القضية الفلسطينية. وباعتبار أن المؤتمر الدولي ينعقد على قاعدة هذين القرارين وضمان الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره. وبذلك تكون منظمة التحرير قد استكملت التحولات التكيفية التي شرعت فيها منذ مطلع السبعينيات، لنقل قضية احتلال 1948، بوصفه الأساس المكون للصراع، إلى اعتبار احتلال العام 1967 هو الأساس، وبذلك تكون قد استكملت التحوّل من تحرير "كامل التراب الوطني الفلسطيني" إلى إقامة الدولة الفلسطينية وفق "قرارات الشرعية الدولية". وقد عبرت هذه التحولات عن التكيف مع السياق العربي، باعتبار المنظمة باتت جزءًا من النظام الرسمي العربي، بعد الاعتراف بها ممثلا شرعيا ووحيدا، وليس غربيًا أن يتزامن هذا الاعتراف تقريبًا مع إقرار البرنامج المرحلي في العام 1974، والذي كان البداية الواضحة للتكيف الفلسطيني مع متطلبات النظام العربي.

حاولت القيادة الفلسطينية إبقاء الخطاب السياسي الفلسطيني متسمًا بالغموض، يقول كل شيء، ولا يقول شيئًا، أو يقول المواقف السياسية المتناقضة في الوقت ذاته، وهي السياسة التي عرفت، في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، بسياسة الـ"لعم" التي تحاول أن ترضي الجميع داخليًا وخارجيًا، من دون أن ترضي أحدًا. وكانت لهذه السياسة أسبابها التي جعلتها تحكم الساحة الفلسطينية فترة، فلم تكن القيادة قادرة على الانقلاب بسرعة على شعاراتها الأولى، واحتاجت وقتا لتمريره، ووقعت في سياق تكيفها مع النظام العربي فريسة مطلبين لاصطفافين متناقضين في العالم العربي، مطلب الدول المتشدّدة، ومطلب الدول المحافظة، وكان خطاب الـ"لعم" يحاول إرضاء الطرفين. كما حاول الخطاب إرضاء قوى المعارضة داخل إطار منظمة التحرير، وأن يحافظ في الوقت ذاته على مساحة للمناورة بين الجميع، وهو ما عُرف بـ"اللعب على التناقضات العربية ـ العربية".

الفردية عنوان الممارسة السياسية التي استقرّت عليها آلية صنع القرار الفلسطيني منذ النصف الثاني من السبعينيات

لزمن طويل، أمسك عدد محدود من الأشخاص بالقرار السياسي الفلسطيني في غياب المؤسسات الفاعلة، وكانت الفردية عنوان الممارسة السياسية التي استقرّت عليها آلية صنع القرار الفلسطيني منذ النصف الثاني من السبعينيات، وبفقدان آليات المحاسبة والمساءلة التي تتيح للشعب مساءلة قيادته، في كل مرحلة، فقد تمّت الهيمنة على القرار السياسي، وبهيمنة القيادة الفلسطينية على الإطار السياسي الفلسطيني (منظمة التحرير) وجدت نفسها تهيمن على التجمّعات الفلسطينية، من دون أن تملك هذه التجمعات القدرة على محاسبتها، فكانت القيادة الفلسطينية تمارس السياسة من موقع بطريركي/ أبوي، من دون مسؤولياتٍ تجاه الشعب ذاته، ولأن الشعب الفلسطيني موزّع على عدة دول، فقد عنت هذه الممارسة نوعا من الفوضى السياسية. وعنت، وهذا الأهم، عدم وجود استراتيجية سياسية فلسطينية مدروسة تتحرّك القيادة السياسية من خلالها، وتُبنى السياسة اليومية على أساسها. وبذلك، لا تتحوّل السياسات اليومية استراتيجيات، ويتم التلاعب بتضحيات الشعب. 

لا يختلف الحال في الساحة الفلسطينية اليوم، وعلى الرغم من كاريكاتورية ما يجري، فهو موصولٌ في حبل قوي مع الأداء التاريخي للقيادة الفلسطينية.