بي بي سي في مهبّ الريح

20 ديسمبر 2025

مدخل مبنى "بي بي سي" في لندن (10/11/2025 Getty)

+ الخط -

كان يفترض أن تكون هيئة الإذاعة البريطانية العمومية (بي بي سي) منصّة لنقاش ما تسمّى الحرب الثقافية الدائرة في البلاد، إلا أنها أصبحت بحد ذاتها مناسبة وغرضا لهذه الحرب. أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه سيقاضي "بي بي سي" بخمسة بلايين دولار، ولن يكتفي باعتذارٍ قدمته. وكانت الأزمة قد تفجرت على خلفية تسريب صحافي كشف أن برنامج بانوراما الاستقصائي فـي "بي بي سي" عدّل خطاب الرئيس الأميركي الذي ألقاه في 6 يناير/ كانون الثاني 2021 ليعطي "انطباعاً خاطئاً بأن الرئيس ترامب قد دعا مباشرةً إلى أعمال عنف"، في حادثة اقتحام مؤيدين له مبنى الكونغرس، بحجّة أن الانتخابات تمت "سرقتها" لصالح المرشّح الديمقراطي آنذاك جو بايدن. من الطبيعي والمتوقع أن تشكل ملاحقة قضائية من أقوى رجل في العالم أزمة غير مسبوقة لأي مؤسّسة إعلامية، إلا أن استقالة مسؤولين كبيرين في المؤسّسة، في سابقة من نوعها، ليست على ما يبدو مجرّد ردة فعل على تهديد ترامب، وهو الذي يمارس ابتزازاً سياسياً ومالياً على الإعلام الناقد سياساته، بل نتيجة عملية "انقلاب" تشهدها "بي بي سي"، بحسب الإعلام البريطاني.

أعلنت الهيئة في بيان اعتذارها من ترامب أنها "نتقبل أن عملية تحرير الخطاب خلقت عن غير قصد انطباعاً بأننا كنا نعرض مقطعا متواصلاً من الخطاب، بدلاً من مقتطفاتٍ من نقاط مختلفة في الخطاب، والأمر أعطى انطباعاً خاطئاً أن الرئيس ترامب وجّه دعوة مباشرة إلى اتخاذ إجراءات عنيفة"، إلا أن المحطة اعتبرت هذا الخطأ التحريري لا يمكن أن يشكل أساسا لدعوى قدح وذم ضدها. الأزمة التي أثارها التسريب في صحيفة المحافظين المفضلة (ديلي تلغراف)، وسبّبت المناسبة التي دفعت ترامب إلى مقاضاة الهيئة، ليست سوى الغطاء الخارجي لأزمة داخلية مستفحلة داخل "بي بي سي"، محورها التدخل السياسي، ليس على مستوى الإدارة التحريرية فحسب، بل أيضاً على مستوى التعيينات في قيادة المؤسّسة، وهي تعيينات سياسية بامتياز. الاستقالتان المفاجئتان للمدير العام تيم ديفي ورئيسة قسم الأخبار ديبورا تورنيس جاءتا بعد حملة منظّمة ضد الهيئة العمومية قادتها الصحافة اليمينية وأبواق الإعلام اليميني التلفزيوني وشخصيات مقرّبة من حزب المحافظين، بشكل خاص إدارة رئيس الوزراء السابق بوريس جونسون، بما في ذلك مسؤولون في الهيئة، مهّدت للحدث بما في ذلك التقليب ضد "بي بي سي" باعتبارها عبئا ماليا على الدولة.

قدّمت الأزمة بين "بي بي سي" وترامب مكافأة غير متوقعة لأصوات معادية لها

قدّمت الأزمة بين "بي بي سي" وترامب مكافأة غير متوقعة لأصوات معادية لها، تعتبر أن لا موجب لوجود إعلام عمومي غالبا ما يُتهم بأنه أقرب إلى اليسار منه إلى المحافظين، في ملفات جدلية، في مقدمها قضية اللاجئين. التسريب في "ديلي تلغراف"، والذي ركز على اتهام "بي بي سي" بالانحياز ضد إسرائيل تعزيز لما تكرّره أبواق الإعلام اليميني ليل نهار في الدعاية لإسرائيل، خلافا لما بينته دراسات عدة أنتجتها مراكز أبحاث وهيئات حقوقية من تغييب متواصل للضحايا الفلسطينيين مقابل أنسنة الضحايا الإسرائيليين في الرواية الإعلامية للحرب المتواصلة على غزّة. تبدو الأزمة امتداداً لحرب داخلية عاتية داخل المؤسسة بين مسؤولين ينتمون إلى وجهة سياسية واحدة يتنافسون على السلطة. هل شهدت "بي بي سي" في الأزمة الراهنة "انقلاباً" على المدير العام وفريقه على يد منافسين من الداخل، يريدون الاستيلاء على منصبه؟ كتبت صحيفة الغارديان الليبرالية في تحقيق حول ملابسات الاستقالات أن الأزمة سياسية بامتياز. وراءها مسؤولون رفيعو المستوى في "بي بي سي" يدورون في فلك المحافظين، ويروّجون خطر ما يسمونها الحرب الثقافية الناتجة، برأيهم، عن تحول "بي بي سي" في اتجاه المغالاة في الليبرالية، بما في ذلك حقوق العابرين جنسياً وملف الهجرة والحرب في غزّة. من هؤلاء روبي غيب، مسؤول التواصل السابق في إدارة تيريزا ماي رئيسة الوزراء السابقة من المحافظين، وهو أحد أعضاء مجلس الإدارة والمساهم في تعيين مايكل بريسكوت محرّر الشؤون السياسية السابق في صحيفة صنداي تايمز اليمينية، والذي شكلت مذكرة انتقاده سياسات الهيئة لبّ التسريب الذي نشرته "ديلي تلغراف" ضد "بي بي سي". ساهم غيب، إلى حد كبير، في توجيه السياسات التحريرية نحو اليمين، باعتباره أحد أعضاء مجلس الإدارة القلائل ذوي الخبرة التحريرية العميقة. يرأس مجلس الإدارة سمير شاه الذي ينتمي إلى الحلقة السياسية نفسها، واتُّهم مراتٍ بالعجز عن إدارة الأزمة، بل تعميقها عبر تأخير الرد على مزاعم التحيز ضد "بي بي سي" في حينها ما شجّع ناقدي الهيئة وأعداءها.

هل ستنتهي الحملة ضد "بي بي سي" إلى انتصار أصوات اليمين وتعزيزها في السياسة التحريرية فحسب، أم أنها البداية لنهاية فكرة الإعلام العمومي؟

هل دفعت "بي بي سي" ثمن خطأ تقني ارتكبه أحد المنتجين، أم أنها ضحية تدخل سياسي من جهات تكره فكرة الإعلام العمومي، وضحية حروب داخلية على السلطة بين أعضاء مجلس إدارة ينتمون، في غالبيتهم، للحظيرة السياسية نفسها، ومهمتهم "تأديب" توجّهات المؤسسة الليبرالية، بحجّة الحرص على مبدأ عدم الانحياز؟ مستقبل الهيئة العمومية في مهب الريح، خصوصاً إذا جرى إلغاء رسم الترخيص الذي يتحمّله دافع الضرائب البريطاني لدعم موازنة المؤسّسة، رغم أن هذا غير مرجّح من الحكومة العمّالية. في المستقبل القريب مزيد من التقييد لسياسات "بي بي سي" التحريرية التي باتت تعتمد على قرار المحامين حصرياً، في ما تعتبر موضوعات حسّاسة أو مثيرة للجدل. في أحدث حلقات التقييد، تبليغ صحافيي "الهيئة" بعدم جواز اقتباس سطر حُذف من محاضرة ألقاها الكاتب الهولندي روتجر بريغمان، في تقليد سنوي للمؤسّسة، وفيها يتهم ترامب بأنه "الرئيس الأكثر فساداً في التاريخ الأميركي". اتهم الكاتب "بي بي سي" بالجُبن في حين أعلنت أنها اتخذت القرار بناء على مشورة قانونية.

هل ستنتهي الحملة ضد "بي بي سي" إلى انتصار أصوات اليمين وتعزيزها في السياسة التحريرية فحسب، أم أنها البداية لنهاية فكرة الإعلام العمومي؟

A6CF6800-10AF-438C-B5B5-D519819C2804
فاطمة العيساوي

أستاذة لبنانية في جامعة إيسيكس البريطانية. ترأست بحثا في تأثير عملية الانتقال السياسي على الإعلام المحلي في دول الثورات العربية. صحافية مستقلة ومدربة وخبيرة في التشريعات الاعلامية في العالم العربي.