بين مآثر الحكمة ومناقب العدل

بين مآثر الحكمة ومناقب العدل

07 ديسمبر 2021
الصورة

(الهادي التركي)

+ الخط -

قد لا تدرك سوى قلة قليلة من عامة الناس، على مختلف مستوياتهم المعرفية وطبقاتهم الاجتماعية، حقيقةً بديهيةً ساطعة سطوع قرص الشمس في سماء صافية، أن الحياة لا تعرض على الإنسان، إلا نادراً، المفاضلة بين بديلين بيّنين: تحقيق الربح أو تكبد الخسارة، وأن هذه الدنيا التي لا تبتسم، غالباً، في وجوه ناسها المنهكين بتصريف أحوالهم، وتدير وجهها لهم على طول الخط المستقيم، لا تقدّم لهم في واقع الأمر غير حق الاختيار بين خسارة وخسارة أخرى أقل.
وليس من شك في أن الأخذ بهذا الاستخلاص النابع من مخزون خبرات إنسانية متراكمة على مر الحقب وتعاقب الأجيال، والعمل بمقتضياته كلما لزم الموقف إجراء مثل هذه المفاضلة عسيرة الهضم، بين اتباع الحكمة والانصياع للحق، مفاضلة من شأنها أن تهوّن على الإنسان المغلوب على أمره، تقبّل الكثير من خساراته الثقيلة، وأن تداوي فيه العديد من جراحاته الغائرة، فوق أن الاقتناع بهذا التفاضل بين خيارين متعاكسين، عند تمحيص البدائل المتاحة، والتبصّر ملياً في دروب الممكنات القليلة، أمران يفضيان بالضرورة إلى عقلنة القرار المزمع، وتصويب الرؤية الملتبسة، وتصحيح الموقف، واتخاذ القرار الاقل كلفة في الوقت الملائم.
ولعل كل من يستعيد بعضاً من محطات حياته الشخصية، ويراجع شيئاً من فصول كتابها المرجعي الحافل بالعبر الثمينة، ويقلّب الكثير من مواجعها الغافية تحت وسادة القلب، لن يجادل طويلاً في بلاغة هذه الحكمة القائلة إن الحياة في مجموعها النهائي، أو قل في محصلتها الأخيرة، هي سلسلة طويلة من الفرص الضائعة، ومحطّات بلا حصر من الخسارات الكثيرة، المتراكمة فوق بعضها بعضا كالطود الشاهق، لا يتخلّل زرد حلقاتها إلاّ أقل القليل من المكاسب الصغيرة، ولا تمطر على أديمها المتشقق عطشاً، إلا سحابات خفيفة، حيث ينطبق هذا الحال على الكثرة الكاثرة، وتنطق به معظم التجارب الفردية، سواء على الصعيد الشخصي، أو في مجال الوظيفة العامة، أو في مدار تحقيق الذات.
وقد يفضي إمعان النظر في اكراهات الواقع، وإدراك مغزى محدودية قدرة الإنسان على الاختيار بين بدلي الربح والخسارة، إلى التفكير أكثر في مفهومي القدرة والكلفة، وتقديم خيار درء الضرر على خيار جلب المنفعة، ومن ثمّة انتخاب أهون الشرور المحتملة، الأمر الذي يعيد طرح السؤال الموجع ذاته، ونعني به سؤال أيهما أوْلى بالإتباع، أن تكون منصفاً محقاً وعادلاً، أم أن تكون حكيماً راشداً ومسؤولاً، عندما تتخذ موقفاً غير قابل للتأجيل، أو تقرّر رأياً لا رجعة عنه، أو تصدر حكماً قيميا في أيٍّ من شؤون الحياة وشجونها الكثيرة؟
وكم يود كل ذي عقل مستنير وصاحب كل مسؤولية، أياً كانت درجتها، ألا تتعارض مآثر الحكمة مع مبادئ العدل والإنصاف، ويرغب في أن يصبّ كلا الرافدين العذبين هذين في نهر واحد، غير أن الخبرة المكتسبة، بكل ما تنطوي عليه من دروس ثمينة ومآثر إنسانية خالدة، تملي على صاحب المسؤولية الرفيعة أن يكون حكيماً أكثر من أن يكون عادلاً، وأن يعلي راية الحكمة فوق قوس المحكمة الضميرية، بمن في ذلك رجال القضاء أنفسهم، فما بالك بالرؤساء والرقباء والقادة والمدراء والآباء والأمهات.
ومن غير إسقاطاتٍ على عوالم السياسة والتباساتها، وبمنأى عن الاستنتاجات المتسرّعة، فإن مسارات الحياة مليئة بأسئلةٍ لا يتسع المقام لعرضها، وغاصّة بأمثلة من دروس عظيمة تُعدّ ولا تُحصى، الدالّة جميعها على تقدّم مبدأ الحكمة على مبدأ العدل في شؤون السياسة والإدارة والمال والأعمال والقضاء والإفتاء، وعلى شيوع أحكام قطعية ظالمة باسم الصالح العام، وإصدار قرارات جائرة لا تستقيم ومبدأ الإنصاف في مطلق الأحوال، ولا تتساوق بالضرورة مع نواهي الضمير، وعظات رجال الدين، وسلّم القيم العليا المرفوعة على رؤوس الأشهاد، إلا أنها هذه هي الحياة، وهذا هو منطقها القاهر الغلاب.
بكلام آخر، على المرء فينا ألا يستفظع خسارته مهما كانت فادحة، وألا يشقّ جيبه على فرصة ضائعة، طالما أن الحياة ذاتها تقدّم له خيار خسارة أقل، وقد تعوّضه لاحقاً بترضياتٍ ضئيلة. ويكفي أن يستذكر الإنسان حقيقة رجحان قيمة الحكمة على مبدأ العدل، حتى يدرك، في قرارة نفسه، أن هذه الحياة المثقلة بالصعوبات وقلّة الخيارات وقسوة التحدّيات، ليست سوى مسرحية من فصل واحد، يؤدّي كل منا على خشبتها العريضة دوراً صغيراً، إلى أن يُسدل على حكايته الستار.