بين "غزَّتَين"... في إعادة إنتاج الاحتلال

28 أكتوبر 2025
+ الخط -

لم تعد معادلة "نزع سلاح حركة حماس مقابل إعادة الإعمار" صيغةً تفاوضيةً وحسب، بل تحوّلت مشروعاً لإعادة هندسة غزّة سياسياً وأمنياً واقتصادياً، فتحت غطاء تفكيك قدرات حركة حماس، وضعت إسرائيل مكعّبات إسمنتية تمتد على طول ما تسميه "الخط الأصفر"، انكفأت قواتها خلفه، تسيطر على أكثر من نصف مساحة القطاع، وبدأت تروّج إعادة إعمار جزئية تقتصر على "المناطق الآمنة"، لتتشكّل ملامح "غزّتَين"، واحدة قابلة للإعمار تخضع لإشراف أمني خارجي، وأخرى خارج حسابات المانحين ينتظر سكّانها المجهول. ويبدو أن الفكرة وجدت صدىً لدى بعض الأوساط الدبلوماسية بوصفها وصفةً لنتائج سريعة ملموسة، لكنها ستجرّ مزيداً من الكوارث على القطاع، فغزّة ليست مساحةً هندسيةً يمكن تقسيمها بخطّ مجرّد، بل كيان حيّ متشابك في أنظمته وحياته، وكل محاولة من الاحتلال لعزل منطقة "قابلة للحياة" ستنتج، بالضرورة، أخرى مختنقة بالحصار والجوع (تضم معظم سكّان القطاع)، وربّما هجرةً داخليةً قسريةً نحو المناطق المموّلة، بما يحمله ذلك من توترات اجتماعية متوقّعة.
إصرار الاحتلال على ربط الإعمار بنزع السلاح يحوّل إعادة الإعمار "هديةً قابلة للسحب" أكثر منه التزاماً إنسانياً أو قانونياً، فلا تريد تل أبيب غزّة مدمّرة فقط، بل خاضعة. كل كيس إسمنت سيُربط بتقرير أمني، وكل مشروع بناء سيُعلَّق على "حسن السلوك السياسي". والخطر الأكبر أن تنجح إسرائيل في إقناع واشنطن والمانحين العرب بأن هذا "الإعمار الانتقائي" هو أقصر طريق إلى السلام، بينما هو في الحقيقة الطريق الأطول إلى إعادة إنتاج الأزمة. ويشي الموقف الأميركي بنوع من القبول الصامت، إذ أوضحت تصريحات نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ووفد المبعوثين في "كريات غات" هذا المزاج، بتأكيدهم أنه "لا مواعيد نهائية لحماس، لكن أموراً سيئة ستحدث إن لم تتعاون"، مشيرين إلى أن الإعمار سيبدأ في مناطق محددة فقط. وبذلك تساهم واشنطن في تكريس فكرة "الإعمار الانتقائي"، وتتحول "خطة التهدئة" منظومةً هندسيةً وبيروقراطية، تفصل "غزّة التخوم" عن "غزّة العمق"، وتُرسي حدوداً مؤقتة بلبوس إداري.
ينبغي لـ"حماس" أن تلح على الفصل بين الإنساني والسياسي من دون أن تفرّط في الأخير. يمكنها القبول بآليات رقابة دولية شفّافة على مواد الإعمار بإشراف أممي، وأن تعلن حزمة تدابير فورية للتعامل مع مخلّفات الحرب والذخائر غير المنفجرة، وإعادة تشغيل الخدمات الأساسية عبر شركاء أمميين، بما يراكم شرعية خدمية ويضغط في اتجاه فتح المعابر. المهم أن تُرحّل أيّ نقاش حول نزع السلاح إلى تسوية شاملة بضمانات دولية، وألا تقبل به شرطاً أحاديّاً تحت الضغط. وتستطيع الدول العربية أن تغيّر ميزان اللعبة إذا ما أنشأت صندوقاً عربياً – دولياً يموّل الإعمار عبر قنوات أممية لا سياسية، فتُربط الأموال بحرية الوصول والمعابر المفتوحة لا بالموقف من طرف فلسطيني. كما يمكنها الدفع نحو ترتيبات رقابية مدنية ذكية في المعابر لتفادي التورّط في نشر قوات على الأرض، من غير غطاء سياسي فلسطيني، وهي مرفوضة إسرائيلياً. يبقى الدور الدولي هو الأهم في فرض خطٍّ أحمر إنساني يمنع تحويل غزّة مختبراً سياسياً. فالإعمار يجب أن يكون شاملاً وعادلاً، وأيّ تمييز جغرافي في المساعدات يجب أن يُعدّ انتهاكاً للقانون الإنساني، لا بنداً للتفاوض.
يمكن تقنياً إدارة "غزَّتَين" فترة، لكن كلفة ذلك السياسية والأخلاقية والاقتصادية باهظة، مع احتمالية مرتفعة لأن تحوّل إسرائيل الخطّ المؤقت إلى فعلي. قد يغري تقسيم غزّة بين "صالحة للإعمار" و"خارج الخدمة" من يريد نتائج سريعة وصوراً مريحة تُقدّم للرأي العام الدولي، لكنّه يجعل من وقف إطلاق النار آلة تنفّس اصطناعي مؤقتة. فاقتصاد ناقص، ومجتمع منقسم، وهدنة بلا أفق سياسي، لا تنتج سلاماً مستداماً، بل إدارة للأزمة بوسائل ناعمة. فالإعمار بلا سيادة إعادة إنتاج الاحتلال بأدواتٍ مدنية، والهدنة التي تُبنى على مصادرة أبسط حقوق الإنسان لا يمكن أن تصمد. وحدها العدالة قادرة على أن تحوّل ركام الحرب أرضاً قابلةً للحياة، فغزّة لا تعرف القسمة، وتصرّ على أن تكون قضيةً لا مجرّد مشروع إدارة أزمة. وما دام الحصار قائماً والاحتلال جاثماً، فإن هي إلا استراحة محارب.