بين الخلاف والود

15 فبراير 2021
الصورة

(بهرام حاجو)

+ الخط -

إذا شئنا تحرّي الدقة، والاعتراف بالواقع، وتسمية الأشياء بمسمّياتها من دون مواربة أو ادعاء موضوعية وبعد نظر، فإن الخلاف، في معظم الحالات، يفسد للود كل القضايا، مع التقدير لصاحب المقولة التي ذهبت مثلاً في أدبياتنا، وزير المعارف والخارجية ونائب رئيس الوزراء، من نهاية العشرينيات إلى نهاية الأربعينيات في القرن الماضي، المفكر الليبرالي المصري، أحمد لطفي السيد. وعلى الرغم من السيرة المهنية الحافلة بإنجازاته، وثقافته العميقة وتجربته السياسية الطويلة، إلا أن مقولته هذه تعبّر، في واقع الأمر، عن سذاجة. وفي أحسن الأحوال، تنطوي على حسن نياتٍ ونقاء سريرة في التعاطي مع طبائع النفس البشرية، القائمة على مبدأي الصراع والتنافس منذ مطلع التاريخ.
صحيحٌ أن البشرية تطورت، إلى حد كبير، وأصبحنا نمتلك مقاليد التقدّم التكنولوجي والصناعي والمعرفي والحضاري، غير أن غرائزنا العدائية الأساسية بقيت على حالها، متوارية بعناية خلف البذلات الأنيقة وساعات الرولكس والسيارات الفارهة، وكل مظاهر المدنية من رقي وأناقة ولباقة، حيث الرجل الجنتلمان يفكر بعناية بماذا يهدي حبيبته في عيد الحب، والسيدة الرقيقة التي تتقن أصول "الإتيكيت" ترتدي آخر صرعات الموضة، وتحرص على طلاء أظفارها باعتناء، وتشيع منها رائحة عطر باريسي فاخر، تتأهب لتلبية دعوة عشاء رومانسي مع رجلها في ضوء الشموع، حيث يحرص اثناهما على الاستماع باهتمام، والتحدّث بلباقة، وعدم إصدار أي صوت، حين شرب طبق الشوربة الساخنة! لكن هذه الصورة الوردية للحياة سرعان ما تتبدد، حين ظهور أي خلاف أو صراع على السيطرة، يكشّر كل منهما عن أنيابه، ويكشف عن حقيقته التنافسية، وسعيه إلى التفوق وإخضاع الآخر المختلف المتمرّد، لأن الإنسان بالعموم، ومن باب حب الذات، ينجذب إلى من يشبهه في طريقة التفكير، وفي الموقف من القضايا العامة والمعتقد والمزاج. ومهما حاول ادّعاء التفهم والحسّ الديمقراطي، والاعتراف بحق الآخر في الاختلاف، إلا أنه، في النهاية، يختار الابتعاد، جرّاء إحساسه بالنفور، ما يطيح أكثر العلاقات العاطفية الأشد متانة وثباتاً. ومهما بلغت درجة تأججها، فإنها سرعان ما تنهار، تحت عنوان التنافر والاختلاف.
ولا يقف الأمر عند حد العلاقات العاطفية بين الرجل والمرأة، وهي الأكثر تعقيداً، بطبيعة الحال، بل ينصرف إلى أشكال العلاقات الإنسانية كافة. منذ مراحل الطفولة المبكرة، يفضل الأولاد اللعب مع أقرانهم من الذكور، بسبب المشترك من الاهتمامات. كذلك ترفض البنات اقتحام الأولاد (الذكور) عوالمهن الخاصة. يتشاركن في الأسرار الصغيرة، ويشيدن عوالم اللعب الأنثوية الخاصة بهن، بانسجام كبير، مطمئناتٍ إلى ما يجمعهن من مشتركات. وفي مرحلة المراهقة، حين تبدأ شخصية الطفل في التفرّد والاستقلالية، يختار الأصدقاء الذين يشاركونه الطباع والاهتمامات ذاتها، وينضم إلى شلةٍ من نسخ متكرّرة عنه. حتى عند بلوغ ما تُسمى مرحلة النضج، لا نتخلى عن طفوليتنا في انتقاء الأصدقاء، فنميل، بشكل فطري، إلى من يشاركنا الآراء والمواقف، ونحاول تجنّب المختلفين عنا، لقناعتنا باستحالة الالتقاء على صعيد إنساني مع النقيض منا.
من هنا، يمكن تبرير مأزق الانغلاق الفكري الذي نقع فيه مختارين، فنحرم أنفسنا فرصة التواصل التي توسع المدارك وتفتح الآفاق باتجاه عوالم أكثر رحابة من حدود معارفنا ومفاهيمنا. بالنتيجة، لا خروج من هذا المأزق إلا بتوافر درجة وعي أعلى ونرجسية أقل، كي نعترف، لأنفسنا على الأقل، بأن الإحساس بالتفوق والأفضلية واحتكار الحقيقة مجرد أسلحة وهمية واهية، نشهرها في وجه من يخالفنا، عوضاً عن الذهاب إلى المواجهة الحقيقية، والتعبير الحر الشجاع عن الذات، من دون الإساءة والتجاوز على الكرامات، وتدريب أنفسنا على احترام الآخر، والإقرار بحقه في الاختلاف، من دون أن نضطر إلى اعتباره عدواً شخصياً، وخصماً لدوداً، لا بد من إلحاق الهزيمة النكراء به، عقوبة عادلة رادعة على عدم التطابق الكلي معنا، الذي نغطيه متواطئين، في بداية أي حوار، بعبارة "لن يفسد الخلاف للود أي قضية"!