بين الحقيقة وقفاها

بين الحقيقة وقفاها

04 مايو 2021
الصورة

(معمّر مكي)

+ الخط -

الحقيقة وهم يبحث عنه الجميع، ويعتقد في أحيان كثيرة، أنه أمسك به، ولكنه سرعان ما يكتشف أنها انزلقت من بين أصابعه، لتختفي مجدّدا في الماء العكر. يظن أنها أطلّت عليه بوجهها الصبوح، ويكاد يشعر بالفرح، ولكن خيبته سرعان ما تسترد زمامها، عندما يتضح له أن ذلك ليس إلا قفاها. شاءت الأقدار، في بداية الثمانينيات، أن أحلّ ضيفا على السجن العسكري في دمشق، وبعد أن اقتادنا هايل السجان إلى حلاق السجن، وجعلنا نقف في طابورٍ أمام كرسيه، وجّه أوامره للحلاق:
- الرقيب لا تحلق له على الصفر، احلق له إنكليزية.
والحلاقة على الصفر تعني جزّ الشعر عن كامل الرأس. أما "الإنكليزية" فتعني جزّه عن الجانبين والقفا، وتركه من الأعلى. ويعتبر هذا نوعا من الاحترام للرتبة التي أحملها، أي الرقيب. ولا أخفيكم أنني شعرت بسعادة بالغة، لأن شيئا ما يميّزني عن الرتل الذي كنت أقف في نهايته. شعرتُ بفخرٍ جعلني أرفع رأسي، ولكن الحلاق الذي لم يتعرّف عليَّ، بعد أن نزعوا عنا عند دخولنا الرتب والحزام ورباطات الأحذية، تساءل قائلا:
- أيهم الرقيب؟
وهنا كشف له هايل السجان مؤخرة الحقيقة، قائلا:
- الجحش الذي في الأخير.

الحقيقة هنا أن القانون العسكري، وهو على الأغلب منقول عن قوانين عسكرية أجنبية أوروبية بالتأكيد، يحترم الرتبة التي أحملها (صف ضابط)، ولكن هايل السجّان لا يحترم هذا القانون. وبما أن هذا القانون لا يستطيع الدفاع عن نفسه أمام هايل السجّان، المخوّل بإهانة ذلك الرقيب من أعلى المستويات، فإن القانون ينقلب من وجه الحقيقة ليصبح مؤخرتها، وتصبح الحقيقة ما قاله هايل السجّان، إن الرقيب ليس أكثر من ذلك (الجحش الذي في آخر الرتل)، على الرغم من الإبقاء على شعره من الأعلى.
مثال آخر على وجه الحقيقة وقفاها هو ما حدث في أحد الفروع الأمنية، حيث كان المحقّق ينظر في ورقةٍ بين يديه، ويطرح أسئلة عن معلوماتٍ أجهلها. ولم تكن هذه الورقة سوى نسخة (فوتوكوبي) عن رسالةٍ لم أتلقاها بعد، فقد نسي ناسخ الرسالة أن يُبعد المظروف البريدي، مقلّم الحواف، عن سطح الطابعة، فالتقطت زاويته التي جعلتني أحدّق بالورقة، وجعلت المحقق ينتبه إلى أن القصة انكشفت، فقال مدافعا عن نفسه:
- لا تظنن أننا نفتح الرسائل. لدينا أجهزة حديثة تمكننا من قراءة الرسالة من دون أن نفتحها.

الحقيقة هنا أن فتح الرسائل أمرٌ مشينٌ إلى درجةٍ تجعل رجل الأمن يدافع عن نفسه أمام هذه التهمة، وهو مخالفٌ للقانون في الدول التي فيها قانون، لأنه ينتهك خصوصية المواطن التي يعتبر الحفاظ عليها حقا أساسيا من حقوقه، ولكن توضيح رجل الأمن بخصوص الأجهزة التي تمكّنه من قراءة الرسائل من دون فتحها تحوّل هذه الناحية إلى مؤخّرة للحقيقة. أما وجهها فهو اعتقاد رجل الأمن بأن المشكلة في الموضوع تكمن في طريقة التعامل مع المظروف الورقي، وليس في الاطلاع على خصوصية المواطن.
مثالٌ ثالثٌ، وأخير على تحوّل وجه الحقيقة إلى مؤخرةٍ لها هو خبر صغير قرأته في بداية الثمانينيات أيضا بعنوان "سقوط محرّف"، يتحدّث عن الأمين العام للحزب الشيوعي الإسباني، كاريو، ويفيد بأن المحرف كاريو قدّم استقالته من رئاسة الحزب، بعد أن حمّل نفسه مسؤولية خسارة بعض المقاعد في الانتخابات البرلمانية. الحقيقة هنا تقول إن علينا رفع القبعة لهذا النوع من السلوك الذي يتسم بالمسؤولية، ولكن وجه الحقيقة هذا سرعان ما يتحول إلى قفاها، عندما تتداوله جريدة حزبٍ يتباهى أعضاؤه بأن لديهم "أقدم أمين عام في العالم"، وفي بلدانٍ تطالب شعوبها، من شدّة القهر، باختراع كراسي "التيفال" لقادتها.
... يمكن القول، باختصار شديد، إنه لكي لا تبقى الحقيقة وهما، ولكي يظهر وجهاها، لا بد من التخلّص من قفاها.