بيروقراطية الأردن المنبتة

30 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

مع تداعي خيار انتقال البلاد من الريع إلى الإنتاج، شُكّلت حكومة أردنية ذات ملمح بيروقراطي، تسعى، وفق منطوقها، إلى إعادة إنتاج دولة الريع، في متواليةٍ أردنيةٍ انهكت البلاد طوال العقدين الماضيين.

استنادا إلى مرجعية وزراء حكومة بشر الخصاونة، المُشكّلة حديثاً، يتم توصيفها بـأنها "يمينية، وبيرقراطية، محافظة"، خلفاً لحكومة عمر الرزاز الموسومة بأوصاف الليبرالية والمدنية. وفي بلد تتركز السلطة فيه بشكل حاد بيد الملك، تبدو جُلّ تلك التعبيرات "محاولة صبغ تركيبة سياسية فضفافة" بمفاهيم سياسية علمية ذات مغزى، إلا أن الواقع العملي والفعلي في البلاد يؤكد صدوع المكلّفين لنص التكليف (السامي) في كتاب ملكي، يؤطر ما يرى أنه مُلحّ وطنياً، من دون ترك هامش للمكلفين للخروج عن حرفيته.

تنحصر مهمة الموظفين المكلّفين بالسلطة التنفيذية،  في الدستور، بصلاحياتٍ يفوّضها الملك لهم، من دون أن يمتلك هؤلاء عملياً أي هامشٍ لطرح رؤاهم الخاصة، أو تنفيذها

مفهوم المحافظة أو اللبرلة المعنون محلياً يهدف إلى إضفاء صبغة سياسية للموظفين المكلّفين بالسلطة التنفيذية، حيث تنحصر مهمتهم في الدستور بصلاحياتٍ يفوّضها الملك لهم، من دون أن يمتلك هؤلاء عملياً أي هامشٍ لطرح رؤاهم الخاصة، أو تنفيذها، استناداً إلى مرجعيتهم الفكرية أو العلمية أو الوظيفية، حيث يذهب الجميع نحو الالتزام حرفياً بالتوجّهات الرسمية للدولة في تخلٍ طوعيٍّ عن كل ما قدّمه من مقارباتٍ سابقةٍ لتكلفيه بالعمل العام.

قبيل عامين، جاء عمر الرزاز رئيساً للوزراء على خلفية هبة شعبية واجهتها حكومة هاني الملقي، وُصف الرجل بأنه يمتلك مقاربة خاصة، تمُس جوهر النظام السياسي الذي وجد نفسه أمام مطالب شعبية تتعلق بـ"تغيير النهج". كان الرزاز قد قدّم مقاربة تحت عنوان "الانتقال من الريع إلى الإنتاج"، متقاطعاً مع شعار ملكي عنوانه "الاعتماد على الذات". ثم سرعان ما وجد الرزاز نفسه، المسنود بتيارٍ يرى فيه فرصة أخيرة، أمام ما تسمى "قوى الوضع القائم"، والتي عرقلت جميع ما قدّمه الرجل، الذي استسلم مبكراً أمام تلك الضغوط والمصاعب، لتتحول حكومته إلى نسخة مكرره عن سابقاتها.

المفارقة أن الحكومة الجديدة المحافظة مُلتزمة بمسار هيكلة القطاع العام، ومستجيبة لوصفات صندوق النقد والبنك الدوليين، ليكون وصف "المحافظة" المعنون أداة لدغدغة عواطف البنى الاجتماعية، على أمل استعادة شيء من ولائها السابق.

ضم مجلس الملك (الأعيان)، المُشكّل قبل أسابيع، في عضويته نحو 20 جنرالاً من الجيش، إضافة إلى موظفي الدولة السابقين وزعماء القبائل

يستند مفهوم المحافظة والبيروقراطية إلى فعالية دولة القطاع العام التي كانت، خلال عقدين، تخضع لبرنامج رسمي، يسعى إلى تفكيكها، وصولاً إلى تجاوز مهامها التاريخية، بوصفها البنية الأساس لدولة الريع، وهو البرنامج الذي أُنجز بشكل عميق وحاد خلال تلك الفترة، إلا أن جائحة كورونا عزّزت حضور مؤسسات الدولة وأهميتها في مواجهة الجائحة، بينما كانت المؤسسات المستقلة التي استولت على موارد المؤسسات القديمة وأدوارها قد أثبتت عجزها وافتقارها للفعالية المطلوبة.

وفق ما سبق، يمكن القول إننا أمام لحظة استعادة رجال الريع، من دون دولة الريع ومؤسساتها، وهو ما يُمكن تلمّسه من تركيبة مجلس الملك (الأعيان)، المُشكّل قبل أسابيع، حيث ضمّ في عضويته نحو 20 جنرالاً من الجيش، إضافة إلى موظفي الدولة السابقين وزعماء القبائل.

عودة سلطة الريع على المستوى الرسمي عودة "منبتة"، لجهة عدم امتلاكها أي مقومات العودة للدولة (الريعية) التي تُمكنّها من استعادة شرائحها الاجتماعية التي كانت تمثّلها. وتقوم استحالة عودة الريع على جُملة من الأسباب. أهمها: تراجع المساعدات الخارجية التي كانت، طوال عقود، بندا رئيسا في موازنة الدولة، وتمكّن النظام السياسي من شراء ولاء الناس عبر الإنفاق على قطاعات الصحة والتعليم وتوفير فرص العمل، يضاف إلى ذلك الأثر العميق للسياسات الليبرالية والخصخصة وتفكيك دولة القطاع العام، ورفع الدعم عن السلع الأساسية (الخبز) والمحروقات، وارتفاع المديونية التي بلغت نحو 100% من الناتج القومي الإجمالي، وارتفاع نسب البطالة والفقر.

أما جمهور الريع فيمكن القول إن جملة من التغييرات العميقة طرأت عليه، لجهة خسارته مجاله الاقتصادي الرسمي، ودور الربيع العربي والتكنولوجيا في التأسيس لوعي ذاتي بحقوقه وواجباته، حيث كانت شعارات "حقوق لا مكارم" عنوانا رئيسا في الحراك طوال عقد، وهو ما يتناقض مع مدرسة الريع وتاريخيتها.

كان هناك اشتباك عميق انخرطت فيه أجيال شابة، بدأت في الاعتراض على السياسات الرسمية، من دون أن تتمكن من إحداث اختراق في بنية النظام، أو توجهاته، لتصل إلى قطيعةٍ بلغت حد الكُفر بالنظام السياسي وبرامجه ووعوده، حيث أشارت استطلاعات الرأي الرسمية إلى مقاطعة نحو 75% من الأردنيين للانتخابات النيابية المقرر تنظيمها في الشهر المقبل (نوفمبر/ تشرين الثاني)، والمتوقع أن تأتي نتائجها بالخطاب السياسي نفسه، مع تغيير شكلي يطاول تصعيد وجوه جديدة لا تمتلك أي جديد.

لم تعد تتوفر، وفق ذلك، أي إمكانية لتغليف صيغة حكم قائمة على سلطة مطلقة تنفذ برامج ليبرالية بغطاء بيروقراطي أو عشائري لدغدغة عواطف البنى الاجتماعية التي ترزح تحت ضغوط معيشية واقتصادية واجتماعية قاهرة. وفي مواجهة تلك التحديات المحلية، يمكن رصد مفارقة، تتمثل في أن رئيس الحكومة الموصوفة بالمحافظة يقدّم، حسب وثائق عدة، مقاربة توصف بالواقعية، في ما يتعلق بملفات الحل النهائي للقضية الفلسطينية، وهي واقعية تعني، بشكل صارخ، مساسا بالأمن الوطني لجهة ملفات الحل النهائي، وخصوصاً حق العودة للاجئين الفلسطينيين والتعويض، إضافة إلى ملف القدس والأمن والمياه والحدود، وهو ما يكشف هشاشة مقاربات المحافظة واللبرلة ذاتها.

سيكون على دولة الريع ونُخبها العاجزة أن تفسح المجال لصيغة وطنية حقيقية قادرة على إيجاد البنية والإطار والرؤية

سيكون العام المقبل عام المئوية الأولى للدولة الأردنية، وهي تعيش لحظات دقيقة أمام واقع دولي وإقليمي جديد، يمثل تموضع الولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأدنى في مواجهة الصين أبرز ملامحه، وهو ما يدفع هذا الطرف الدولي إلى العمل على إدماج إسرائيل في منطقة الشرق الأوسط، عبر تفكيك البنية المعادية لها عبر مسار التطبيع، وهو ما سيؤسّس لنظام إقليمي جديد وأنظمة وطنية جديدة، تُعيد إنتاج بنية عقد من التحولات الدولية والإقليمية، والتي ستنتج واقعاً جيوسياسياً جديداً، وشرق أوسط جديداً حتماً.

سيكون على دولة الريع ونُخبها العاجزة أن تفسح المجال لصيغة وطنية حقيقية قادرة على إيجاد البنية والإطار والرؤية، وذلك ما سيكون في مقبل الأيام، عندما تقف القوى الاجتماعية والوطنية أمام اللحظة التاريخية المناسبة لإنتاج دولة الإنتاج، وفي مقدمها إنتاج نظام سياسي ديمقراطي وطني يتجاوز نُخب الإرباك العاجزة عن استعادة دولة الريع أو إنتاج دولة الإنتاج.